الرياضة

الحرب على قادة الاتحاد السوداني لكرة القدم.. حين تتحول المستطيل الأخضر إلى ساحة تصفية حسابات

تقرير: السقا

لم تعد الحرب في السودان تُقاس فقط بأصوات البنادق، ولا بخريطة النزوح والدمار، بل تسللت إلى كل مفصل من مفاصل الدولة، حتى تلك التي يفترض أنها بمنأى عن صخب السياسة.. كرة القدم.

اليوم، يجد قادة الاتحاد السوداني لكرة القدم أنفسهم في مرمى نيران حرب من نوع آخر، حرب لا تستخدم فيها القذائف، بل البيانات، ولا تُرفع فيها البنادق، بل تُشهر فيها الاتهامات. حرب باردة، لكنها لا تقل ضراوة عن حرب الخنادق.

*اتحاد في المنفى.. وإدارة تحت القصف*

منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل، بات الاتحاد السوداني بلا وطن حقيقي. مكاتبه في الخرطوم أُغلقت، وملفاته تشتتت بين بورتسودان والقاهرة والرياض، وإدارته تمارس عملها من غرف الفنادق ومقار مؤقتة. في مثل هذا الوضع الهش، كان المفترض أن يكون التضامن هو العنوان، لكن الذي حدث كان العكس.

تحولت كل إخفاقة للمنتخب الوطني، وكل عثرة للأندية في المشاركات الخارجية، إلى سكين تُغرس في خاصرة الاتحاد. وتحولت وسائل التواصل إلى محكمة مفتوحة، يُحاكم فيها الرئيس ونوابه علناً، بلا بينة، وبلا حق دفاع.

*لماذا الآن؟*

السؤال الجوهري: لماذا تُفتح كل الملفات الآن؟

الإجابة تكمن في طبيعة الفراغ. عندما تغيب المؤسية، تحضر الشخصنة. وعندما تسقط الدولة، يحاول كل طرف أن يبني مجده على أنقاض الآخر. هناك من يرى في ضعف الاتحاد الحالي فرصة تاريخية لإعادة رسم خارطة الكرة السودانية لمصلحته، وهناك من يحمل إرثاً قديماً من العداء، ووجد في الحرب ستاراً مثالياً لتصفية حساباته.

إنها ليست محاسبة، فالمحاسبة فعل نبيل ومطلوب. إنها محاكمة نوايا، تدار بمنطق “اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس”.

*بين التقصير والتآمر*

نعم، الاتحاد السوداني لم يكن مثالياً. تأخر في قرارات، وتباطأ في حسم ملفات المنتخبات السنية، وارتبك في إدارة ملف الدوري. لكن هناك فرق شاسع بين التقصير الإداري الناتج عن حرب شلت البلد كله، وبين التآمر والفساد كما يحاول البعض تصويره.

كيف يُطالب اتحاد بلا ميزانية، بلا ملاعب، بلا دوري منتظم، بأن يصنع منتخباً يقارع كبار أفريقيا؟ كيف يُحاسب من يدير اللعبة من المنفى، كما لو كان يديرها من استاد الخرطوم في زمن الرخاء؟

المشكلة أننا نطلب من كرة القدم أن تكون وطناً بديلاً، ثم نجلدها حين تفشل في أن تكون كذلك.

*الخاسر الوحيد*

في كل هذه الحرب، الخاسر الوحيد هو السودان. سمعة الكرة السودانية التي بناها رجال أفذاذ منذ 1936، تُهدر اليوم في معارك جانبية على قروبات الواتساب. واللاعب السوداني، الذي فقد بيته وملعبه وأسرته، يجد نفسه مطالباً بأن يدفع ثمن صراع لم يختره.

إن الحرب على قادة الاتحاد، حتى وإن انطلقت بنوايا إصلاحية عند البعض، فإنها في توقيتها الحالي، وبأدواتها الحالية، لا تخدم إلا الفوضى.

ما تحتاجه الكرة السودانية اليوم ليس مقصلة جديدة، بل طاولة حوار. ليست بيانات هجومية، بل خطة إنقاذ. ليس إسقاط أشخاص، بل إنقاذ مؤسسة تكاد تلفظ أنفاسها الأخيرة تحت وطأة الحرب والنزوح والانقسام.

فليتوقف القصف قليلاً.. فالمستطيل الأخضر لم يعد يحتمل مزيداً من الدماء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى