الرياضة

شموخ عمر تكتب: الحرب على أسامة عطا المنان.. حين يصبح النجاح تهمة

هناك رجال إذا غابت الدولة حضروا، وإذا سكتت المدافع تكلمت أقدام لاعبيهم، وإذا يئس الناس أشعلوا قنديلاً في ملعب. وأسامة عطا المنان واحد من هؤلاء، ولهذا يحارب.

الحرب التي تشن اليوم على أسامة عطا المنان، رئيس لجنة المنتخبات الوطنية، ليست حرباً على شخص، ولا على منصب، بل هي حرب على فكرة، فكرة أن الحياة يمكن أن تعود للخرطوم عبر بوابة الرياضة، وأن السودان يمكن أن ينتصر في الميدان الكروي كما انتصر في ميدان الكرامة.

يسألونك لماذا الحرب على أسامة؟ انظر لما فعله فتعرف لماذا يحارب.

أعاد الخرطوم إلى الخارطة.. حين كانت الملاعب ثكنات

حين كانت الخرطوم تئن تحت وطأة الحرب، وحين ظن كثيرون أن الرياضة ترف لا وقت له، كان أسامة عطا المنان يفكر عكس التيار. كان يدرك أن تطبيع الحياة لا يكون بالبيانات، بل بصافرة حكم وبهدف في شباك.

هو من قاتل – بالمعنى الحرفي للكلمة – لإعادة النشاط الرياضي إلى الخرطوم. مباريات في ملاعب كانت قبل شهور خطوط تماس، جماهير تدخل باستاد كان حلماً، أطفال يرتدون قمصان صقور الجديان بدلاً من ثياب النزوح. أي عقل استراتيجي يفهم أن عودة الكرة للخرطوم تعني أن الخرطوم عادت، وأن الدولة عادت. هذا ما فعله أسامة. حول الرياضة من ترف إلى أداة سيادة وطنية، ورسالة للعالم أن السودان لا يموت.

من ينسى صورة استاد الخرطوم وهو يمتلئ بعد عامين من الصمت؟ تلك الصورة كانت توازي بيان نصر، وكان مهندسها أسامة عطا المنان.

صقور الجديان.. من منتخب مشرد إلى منتخب يحلم بالمونديال

استلم أسامة لجنة المنتخبات والمنتخب الوطني مشتت بلا معسكر، بلا ملعب، بلا تذاكر سفر، لاعبون يبكون في المنافي. كثيرون قالوا انتهى زمن الكرة السودانية.

لكنه لم يقل ذلك. سافر، طرق أبواب الاتحاد الأفريقي والفيفا، أقنع، جادل، وقع اتفاقيات مع ليبيا والسعودية لاستضافة مبارياتنا، وفر معسكرات في الطائف وجدة، جمع اللاعبين من أصقاع الأرض كمن يجمع شتات وطن.

والنتيجة؟ السودان في نهائيات كأس الأمم الأفريقية، وينافس بقوة على بطاقة المونديال، وتصنيفه يتقدم شهراً بعد شهر. هذا ليس صدفة، هذا عمل رجل يعرف أن المنتخب ليس 11 لاعباً، بل هو علم يرفرف حين تعجز كل الأعلام عن الرفرفة. لقد جعل من صقور الجديان سفارة السودان المتجولة، تمنح السودانيين في المهجر لحظة فرح في زمن الحرب.

رجل المؤسسات لا رجل الشعارات

الذين يحاربون أسامة اليوم، يحاربونه لأنه ليس صاحب تصريحات نارية ولا صاحب عنتريات فيسبوكية. هو رجل مؤسسات بامتياز. يعمل في صمت، يبني في صمت، يترك النتائج تتكلم.

في اتحاد مشحون بالانقسامات، ظل أسامة هو نقطة التوازن، الرجل الذي يحترمه الجميع، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار الرياضي. يحترمه الكبار لأنه يحترم التاريخ، ويحبه الصغار لأنه يفتح لهم الباب. لم يستخدم منصبه لتصفية حسابات، ولم يحول لجنة المنتخبات إلى إقطاعية لأصدقائه كما فعل غيره في مؤسسات أخرى.

لماذا يحارب إذن؟

يحارب لأنه ناجح. في السودان، وفي زمن الحرب، النجاح تهمة. الفاشل لا يحاربه أحد، لأنه لا يهدد أحداً. أما الناجح الذي يعيد الحياة لملعب، ويجمع شتات منتخب، ويعيد الخرطوم للواجهة، فهذا يزعج كثيرين.

يزعج الذين كانوا يريدون للخرطوم أن تظل مدينة أشباح، ليثبتوا أن لا حياة بعد الحرب.
يزعج الذين كانوا يريدون للرياضة أن تموت، ليقولو إن السودان مات.
يزعج الذين لا يعرفون من الإدارة إلا الهدم.

الحرب على أسامة عطا المنان هي حرب على فكرة أن السودان يمكن أن ينهض من تحت الركام بكرة قدم.

اتركوا الرجل يعمل. فالسودان يحتاج اليوم لمن يبني ملعباً أكثر ممن يهدم وطناً. ويحتاج لمن يطلق صافرة بداية أكثر ممن يطلق رصاصة.

أسامة عطا المنان لم يكن يوماً ملاكاً، لكنه في زمن الشياطين كان رجلاً يعمل. وحين تعمل في زمن الحرب، فأنت بطل، شاء من شاء وأبى من أبى.

التحية لرئيس لجنة المنتخبات الذي علمنا أن الرياضة ليست لعبة، بل هي وطن مصغر يلعب في 90 دقيقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى