
*بقلم: شموخ عمر – المحور نيوز – تحليل*
لم تعد ولاية الجزيرة مجرد ولاية زراعية تبحث عن التعافي من آثار الحرب، بل تحولت خلال الأشهر الثلاثة الماضية إلى ورشة قرارات اقتصادية متسارعة تريد أن تقول للسودان كله: الاستثمار يبدأ من هنا. والمتابع لما أعلنته مفوضية استثمار الجزيرة وحكومة الولاية خلال الفترة من يوليو حتى أكتوبر 2026، يدرك أننا أمام تحول استراتيجي وليس مجرد تصريحات موسمية.
*القرار الأول: مركز مدخلات الإنتاج.. حل الاختناق من جذوره*
أهم قرار أعلن عنه مفوض الاستثمار بولاية الجزيرة أمير يحيى هارون هو إطلاق *مركز الجزيرة لصادرات وواردات مدخلات الإنتاج الزراعي والحيواني وصناعة الأعلاف* على مساحة 500 فدان بمنطقة الكاملين.
أهمية هذا القرار أنه يعالج أصل المشكلة التي أدت لفشل المواسم السابقة في كل السودان، وليس الجزيرة فقط. السودان كان يستورد التقاوي والأسمدة والأدوية البيطرية عبر وسطاء وسماسرة، مما يضاعف السعر 3 مرات ويؤخر وصولها.
المركز الجديد الذي وصفه المفوض بأنه *”منصة إمداد وطنية”* سيكون منطقة حرة مصغرة تستورد مباشرة من المصنع إلى المزارع، وتصنع الأعلاف داخلياً. هذا يعني خفض تكلفة الإنتاج بنسبة 40% على الأقل، وهو رقم كفيل بإعادة الجزيرة كسلة غذاء السودان. المساحة 500 فدان ليست رقماً عادياً، بل تعني أن المركز سيضم مصانع ومخازن وثلاجات ومعامل، وليس مجرد سوق.
*القرار الثاني: موازنة 2026.. لغة الأرقام لا تكذب*
موازنة ولاية الجزيرة للعام 2026 التي تبلغ 590 مليار جنيه، بزيادة 73% عن العام السابق، تحمل رسالة واضحة. الأهم ليس الرقم الكلي، بل تخصيص 65 مليار جنيه كاملة كـ *استثمار في الأصول غير المالية*.
هذا البند يعني بناء مصانع، شراء آليات، تأهيل مسالخ ومحاجر، إنشاء مناطق صناعية. الحكومة لا تصرف على تسيير، بل تستثمر في أصول تبقى. في ظل ظروف الحرب، أن تخصص ولاية 11% من موازنتها للاستثمار الثابت فهذا يعني أن هناك عقلية إعمار حقيقية، وليس عقلية طوارئ. وهذا ما يميز تجربة *استثمار ولاية الجزيرة* عن باقي الولايات التي لا تزال موازناتها موازنات مرتبات ووقود.
*القرار الثالث: الخارطة الاستثمارية والميناء الأخضر.. وضوح للمستثمر*
لطالما كان المستثمر السوداني والأجنبي يشتكي من عدم وضوح الفرص. تأتي بمالك ولا تعرف أين تزرع وماذا تزرع. الآن أعلنت الولاية اكتمال *الخارطة الاستثمارية الزراعية*، وهي خريطة رقمية توضح كل شبر في الجزيرة ونوع التربة والمياه والمحصول الأنسب.
ومعها تم الإعلان عن مدينة صناعية جديدة في أم القرى تحت اسم *”الميناء الأخضر”*. الاسم مقصود، فالمدينة ستكون ميناءً برياً للمنتجات الزراعية التحويلية، تعيد تصنيع القطن والفول والقمح بدلاً من تصديره خام. هذه هي التنمية المستدامة التي يتحدث عنها العالم، تحويل المادة الخام إلى منتج نهائي داخل الولاية، مما يضاعف القيمة 5 مرات ويوفر آلاف الوظائف.
*القرار الرابع: التحول الرقمي ومحكمة الاستثمار.. الضمانة القانونية*
هنا يكمن الفرق الجوهري في تجربة *استثمار ولاية الجزيرة*. أعلنت المفوضية عن *التحول الرقمي التام* لإنهاء الإجراءات الورقية. لن يضطر المستثمر للذهاب إلى 10 شبابيك، بل منصة إلكترونية واحدة وموقع يقدم كل الخدمات. هذا يقطع الطريق على الفساد والمحسوبية ويسرع الإجراءات من شهرين إلى 72 ساعة.
والأهم من ذلك: إنشاء *محكمة ونيابة مختصتين بقضايا الاستثمار*. هذه سابقة في السودان. المستثمر كان يخاف من الدخول في نزاع يستمر في المحاكم 5 سنوات. الآن هناك محكمة متخصصة تفصل في قضايا الاستثمار خلال أسابيع. هذه هي الضمانة القانونية التي يبحث عنها رأس المال الوطني والأجنبي. رسالة واضحة: أموالك محمية بقانون خاص.
*القرار الخامس: 3500 طن تقاوي قمح.. الأمن الغذائي أولاً*
أعلن والي الجزيرة الطاهر إبراهيم الخير عن الاستعداد لتوفير 3500 طن من تقاوي القمح عبر مصنع هارفست لدعم توطين إنتاج التقاوي للموسم الشتوي.
هذا القرار استراتيجي بامتياز. السودان كان يستورد 90% من تقاوي القمح. توطينها في الجزيرة يعني أننا نزرع بقمح سوداني يناسب بيئتنا، ونوفر ملايين الدولارات، ونضمن عدم تكرار أزمة الموسم الشتوي التي شهدتها نهر النيل والشمالية بسبب غياب التقاوي. الولاية التي كانت تستقبل التقاوي أصبحت تنتجها.
الخلاصة: هل تنجح الجزيرة؟
نجاح *استثمار ولاية الجزيرة* يتوقف على 3 عوامل: سرعة تنفيذ مركز الكاملين قبل الموسم الشتوي القادم، وتفعيل المحكمة الاستثمارية فعلياً وليس على الورق، وحماية المستثمر من الجبايات المتقاطعة.
لكن المؤشرات تقول إن الجزيرة تسير في الطريق الصحيح. فبينما ولايات أخرى لا تزال تتحدث عن “البحث عن فرص الاستثمار”، الجزيرة تتحدث عن محكمة ومركز 500 فدان وخارطة رقمية و3500 طن تقاوي. الفرق بين البحث والتنفيذ هو ما سيجعل الجزيرة قاطرة إعادة إعمار السودان.
*بقلم: شموخ عمر*




