
في زمن الحرب، لا يُقاس الوزراء بعدد بياناتهم، بل بعدد مصانعهم التي تدور، وعدد أسواقهم التي تهدأ، وعدد بواباتهم التي تُفتح.
ومحاسن علي يعقوب، وزيرة الصناعة والتجارة، اختارت أن تخوض حربها بلا ضجيج. حرب من نوع آخر، حرب جوال السكر وسعر الزيت وصرير ماكينة التجفيف في شندي.
يقولون إن وزيرة الصناعة والتجارة محاسن علي يعقوب مُستهدفة. والحقيقة أن الاستهداف لا يطال شخصها، بل يطال فكرة مزعجة لبعضهم: فكرة أن تنجح امرأة في وزارة كان يُظن أنها للرجال فقط، وأن تنجح في زمن كان يُظن أنه زمن انهيار لا بناء.
شندي.. حيث للتراب رائحة السكر – إنجاز محاسن علي يعقوب الصناعي
ذهبت وزيرة الصناعة والتجارة محاسن علي يعقوب إلى شندي، إلى مجمع القمة. لم تذهب لتقص شريطاً، ذهبت لتؤس لفلسفة.
هناك، على 30 ألف فدان، تقف فكرة كبيرة: مصنع لتجفيف الخضر والفاكهة في شندي، وآخر للنشاء والجلوكوز، ومخازن مبردة تتسع لعشرة آلاف طن من أحلام السودانيين.
لقد ظل السودان لعقود يزرع ليُصدر خاماً، ويستورد ليأكل مصنعاً. نزرع الطماطم ونستورد الصلصة، نزرع المانجو ونستورد العصير. جاءت محاسن لتقول: كفى. لن نبيع ترابنا بثمن التراب. سنزرع، وسنصنع، وسنبيع قيمة مضافة. هذا ليس مصنعاً، هذا إعلان استقلال صناعي.
طرابلس.. حلم المتوسط – محاسن تفتح بوابة ليبيا
وفي الخرطوم، جلست وزيرة الصناعة محاسن علي يعقوب مع الشارف هبلي، القائم بالأعمال الليبي. جلسة لم يقرأها الكثيرون. كانوا يرونها بروتوكولاً، بينما كانت هي ترسم خريطة. السودان المحاصر ببحر أحمر مضطرب، يبحث عن رئة أخرى يتنفس منها. وليبيا هي الرئة، هي بوابة المتوسط، هي الطريق البري الذي يأخذ سمسم القضارف وفول دارفور إلى أسواق طرابلس وتونس وروما.
في وقت كانت كل الأبواب تُغلق، كانت محاسن تطرق باباً جديداً في الصحراء. من يفهم الجغرافيا، يفهم أن هذا ليس اجتماعاً، هذا ممر حياة للتجارة السودانية.
الخرطوم.. معركة الجنيه في مراكز البيع المخفض
ثم نزلت وزيرة الصناعة والتجارة إلى حيث يوجع الناس.. السوق.
جلست مع رئيس الوزراء كامل إدريس وقالت جملة واحدة حفظها التجار: سنبيع من المصنع للمواطن مباشرة. اتفقت محاسن علي يعقوب مع المصانع، ومع والي الخرطوم، ومع اتحاد أصحاب العمل، على تغذية مراكز البيع المخفض بلا وسطاء، بلا سماسرة، بلا خمسة أيادي تأخذ عمولتها قبل أن يصل كيس السكر إلى بيت المواطن.
في بلد التهم فيه السمسار المنتج والمستهلك معاً، أن تدخل الدولة كتاجر شريف يبيع بسعر عادل، فتلك ليست سياسة، تلك بطولة تحسب لـ وزيرة الصناعة محاسن علي يعقوب.
الخلاصة: من يتحدث؟
هكذا، حين نضع المشاهد بجانب بعضها، نفهم لماذا تُستهدف محاسن علي يعقوب وزيرة الصناعة والتجارة. لأنها اختارت أن يكون حديثها ليس بلسانها، بل بمصانعها التي تدور في شندي، وبواباتها التي تُفتح نحو ليبيا، وبمراكزها التي تبيع رخيصاً في الخرطوم. لقد تعودنا في السودان أن نُصفق لمن يجيد الكلام، ونحارب من يجيد العمل. ومحاسن علي يعقوب تنتمي بعناد للفئة الثانية.




