
في كل مرة تحاول فيها الدولة السودانية أن تستعيد هيبتها، يخرج من بين الركام من يريدها دولة بلا هيبة، سوقاً مفتوحاً بلا باب، وميناءً بلا حارس.
وهذا بالضبط ما تواجهه اليوم وزيرة الصناعة والتجارة محاسن علي يعقوب.
محاسن لم تفعل شيئاً سوى أنها قالت لا. لا لإغراق السودان بأحذية تُصنع في الجزيرة، لا لإغراقه بصابون يُصنع في بحري، لا لتحويل السودان إلى مكب لنفايات مصانع العالم بينما مصانعنا تنوح في الباقير وعطبرة.
هل هذا جرم؟
لقد جاءت الوزيرة ووجدت وزارة بلا وزارة. أختام توزع في المكاتب الخلفية، وتصاديق تباع في الليل، وإعفاءات تمنح لمن يدفع أكثر. سماسرة يقررون ماذا نستورد وماذا نصنع، وتجار شنطة يتحكمون في قوت الشعب. فأغلقت الباب الخلفي، وأعادت القرار إلى مكتب الوزير وإلى الموظف المهني الشريف. فهل نلومها على ذلك؟
يقولون إنها أغلقت السوق. والحقيقة أنها فتحت المصنع. هناك فرق كبير بين من يغلق السوق ليخلق احتكاراً، ومن يغلق فوضى الاستيراد ليحمي وظيفة شاب سوداني. أيهما أولى، أن نرضي مستورداً يربح في الحاوية ملايين الدولارات، أم نحمي ألف عامل في مصنع جلود؟
يقولون إن المنتج المحلي ضعيف. ومن الذي أضعفه غير هذه السياسات نفسها؟ كيف ينافس مصنعنا وهو يدفع كهرباء وضرائب ورسوم، بينما يأتي المستورد بسلعة مدعومة من دولته ويدخلها بإعفاء جمركي ناله بعلاقة؟ إن المنافسة التي يتحدثون عنها ليست منافسة شريفة، بل هي جريمة إغراق مكتملة الأركان.
محاسن لا تمنع الاستيراد، بل تنظم الاستيراد. وهذا ما تفعله كل دول العالم التي تحترم نفسها. أمريكا تحمي مزارعيها، ومصر تحمي صناعتها، وإثيوبيا تمنع استيراد ما تنتجه. فلماذا حين تفعلها وزيرة سودانية تصبح رجعية وضد السوق؟
الحملة التي تتعرض لها الوزيرة معلومة الدوافع، معروفة المصدر. هي صراخ شبكمات تضررت مصالحها. صراخ من كانوا يعتبرون وزارة الصناعة والتجارة دكانهم الخاص، فإذا بها اليوم تعود بيتاً للسودانيين.
نعم، نطالبها بخطة واضحة، وتمويل للمصانع، وكهرباء للمصانع، وتسهيلات للمصانع. لكن لا نطالبها بأن تتراجع عن المبدأ. فالمبدأ صحيح: لن نستورد ما نصنعه بأيدينا.
قفوا مع محاسن، لأنها لا تدافع عن كرسيها، بل تدافع عن مصنعكم، ووظيفة ابنكم، وقيمة جنيهكم.
ومن يزرع مصنعاً اليوم، سيحصد وطناً غداً.




