
لم تعد قضية البطالة بين الشباب مجرد أرقام تُدرج في التقارير الاقتصادية، ولا مجرد قصص فردية لشاب يحمل شهادة ويبحث عن وظيفة. المسألة، في جوهرها، أعمق من ذلك بكثير؛ إنها قضية تتصل بكفاءة الاقتصاد نفسه، وقدرته على استيعاب رأس ماله البشري، وتحويل التعليم والتدريب والمهارات إلى قيمة مضافة وإنتاج وفرص حقيقية.
وعندما تتسع الفجوة بين ما ينتجه النظام التعليمي من خريجين وما يستطيع الاقتصاد استيعابه من قوة عمل، فإن المشكلة لا تعود في الشاب الذي لم يجد وظيفة، وإنما في المنظومة التي لم تستطع تحويل المعرفة إلى إنتاج.
أحد أبرز جذور المشكلة يتمثل في عدم التطابق الكافي بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل. فسنوات الدراسة تمنح الشاب مؤهلًا أكاديميًا، لكنها لا تضمن بالضرورة امتلاكه المهارات المهنية التي يطلبها صاحب العمل.
وهنا تظهر ما تعرف في أدبيات سوق العمل بـ فجوة المهارات؛ أي المسافة بين المهارات التي يمتلكها الباحثون عن العمل والمهارات التي يحتاجها الاقتصاد.
وتزداد المشكلة عندما يصبح الحصول على الوظيفة مرتبطًا بالخبرة السابقة. فصاحب العمل يبحث عن موظف جاهز للإنتاج منذ اليوم الأول، بينما يحتاج الخريج إلى بيئة تمنحه الفرصة الأولى للتعلم واكتساب الخبرة.
وهذه ليست مشكلة فردية؛ إنها خلل في آليات الانتقال من التعليم إلى العمل.
فالجامعة تنتهي عند الشهادة، بينما تبدأ رحلة التعلم المهني الحقيقي داخل سوق العمل.
ومن الخطأ النظر إلى البطالة باعتبارها مشكلة مالية فقط. صحيح أن غياب الدخل يمثل العبء الأكثر وضوحًا، لكن آثار البطالة تمتد إلى تكوين الشخصية والاستقلال الاقتصادي والعلاقات الاجتماعية وحتى تصور الشاب لمستقبله.
فالعمل يؤدي وظائف اقتصادية واجتماعية في آن واحد. إنه يمنح الفرد دخلًا، لكنه يمنحه أيضًا دورًا اجتماعيًا وشعورًا بالإنجاز والاستقلال والقدرة على اتخاذ القرار.
ولهذا فإن استمرار البطالة لفترات طويلة قد ينتج ما يمكن وصفه بـ التآكل المهني؛ إذ يفقد الشاب تدريجيًا جزءًا من مهاراته العملية، ويبتعد عن بيئة الإنتاج، وتتراجع قدرته التنافسية مقارنة بمن دخلوا سوق العمل في وقت مبكر.
وبذلك تصبح البطالة الطويلة سببًا في إعادة إنتاج البطالة نفسها.
السؤال الأكثر أهمية ليس: لماذا لا يجد الشباب وظائف؟
بل: لماذا لا يولّد الاقتصاد وظائف بالسرعة التي يدخل بها الشباب إلى سوق العمل؟
هنا ينتقل النقاش من مسؤولية الفرد إلى بنية الاقتصاد.
فإذا كان الاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على قطاعات محدودة منخفضة القدرة على خلق الوظائف، فإن النمو الاقتصادي ــ حتى عندما يحدث ــ قد لا ينعكس بالضرورة في صورة فرص عمل كافية للشباب.
وفي المقابل، تحتاج الاقتصادات التي تسعى إلى استيعاب أعداد كبيرة من الداخلين الجدد إلى سوق العمل إلى قطاعات كثيفة العمالة، ومشروعات صغيرة ومتوسطة قادرة على التوسع، وبيئة استثمارية تقلل تكلفة تأسيس الأعمال واستمرارها.
ومن هنا فإن خلق الوظائف يجب أن يصبح هدفًا اقتصاديًا بحد ذاته، وليس نتيجة عرضية للنمو.
ثمة جانب آخر غالبًا ما يغيب عن النقاش: كثير من الشباب لا يمكن وصفهم بأنهم «عاطلون» بالمعنى الاقتصادي البسيط، لأنهم يمارسون أعمالًا مؤقتة أو غير منتظمة أو أنشطة صغيرة خارج القطاع الرسمي.
وهذا يفتح بابًا مهمًا للنقاش حول جودة العمل وليس مجرد وجوده.
فالعمل الذي لا يوفر دخلًا مستقرًا، ولا حماية اجتماعية، ولا إمكانية للتطور المهني، قد يخرج الشاب من خانة البطالة إحصائيًا، لكنه لا يخرجه بالضرورة من دائرة الهشاشة الاقتصادية.
لذلك فإن الحل لا ينبغي أن يقتصر على زيادة عدد الوظائف، بل يجب أن يتجه أيضًا إلى تحسين نوعية فرص العمل، ورفع الإنتاجية، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية.
التحدي الحقيقي أمام السياسات العامة هو الانتقال من مفهوم «توفير وظائف للشباب» إلى مفهوم أكثر اتساعًا هو تفعيل رأس المال البشري للشباب.
فالشاب ليس مجرد طالب وظيفة؛ إنه يحمل معرفة، وقدرة على التعلم، ومهارات رقمية، وشبكات اجتماعية، وأفكارًا يمكن تحويلها إلى قيمة اقتصادية.
لكن هذه القدرات تحتاج إلى منظومة تمكين.
وهنا تظهر أهمية التدريب المهني والتقني، والحاضنات، والتمويل الأصغر، والتوجيه المهني، وبرامج التدريب أثناء العمل، وربط الجامعات والقطاع الخاص، وتوفير منصات للعمل الحر والتجارة الرقمية.
غير أن تمويل المشروعات وحده لا يكفي. فالكثير من المشروعات الصغيرة تفشل ليس بسبب ضعف الفكرة، وإنما بسبب ضعف الإدارة، والتسويق، ودراسة السوق، وسلاسل الإمداد، والوصول إلى التمويل المناسب.
لذلك فإن تمكين الشباب اقتصاديًا يجب أن يقوم على حزمة متكاملة، لا على القروض وحدها.
وفي السياق السوداني، لا يمكن تحليل أزمة الشباب بمعزل عن آثار الحرب على الاقتصاد والتعليم وسوق العمل.
فالحرب لا تدمر المنشآت فقط؛ إنها تعطل سلاسل الإنتاج، وتقلص الاستثمار، وتزيد تكاليف التشغيل، وتدفع المؤسسات إلى تقليص نشاطها، وتؤثر في التعليم والتدريب، وتدفع أعدادًا من الشباب إلى النزوح وتغيير المسارات المهنية.
وهكذا تتشكل فجوة مزدوجة: اقتصاد أقل قدرة على خلق الوظائف، وشباب أكثر حاجة إلى الدخل والاستقرار.
وهنا تصبح سياسات التشغيل جزءًا من سياسات التعافي وإعادة الإعمار، وليست ملفًا منفصلًا عنها.
فإعادة بناء الاقتصاد تحتاج إلى اليد العاملة الشابة، والشباب يحتاجون إلى اقتصاد قادر على استيعابهم.
من أخطر الأخطاء تحميل الشباب وحدهم مسؤولية بطالتهم، عبر نصائح من قبيل «طور نفسك» أو «ابدأ مشروعك».
صحيح أن تطوير المهارات مهم، وصحيح أن المبادرة الفردية يمكن أن تفتح أبوابًا جديدة، لكن تحميل الفرد كامل المسؤولية يتجاهل حقيقة أساسية: لا يستطيع أي شاب أن يصنع سوق عمل بمفرده.
يمكنه أن يطور مهاراته، لكن لا يستطيع وحده خلق الطلب على تلك المهارات.
ويمكنه تأسيس مشروع، لكنه يحتاج إلى سوق وتمويل وبنية تحتية وقوانين مستقرة.
ويمكنه أن يتعلم، لكنه يحتاج إلى منظومة اقتصادية قادرة على تحويل التعلم إلى إنتاج.
لذلك فإن الخطاب المسؤول يجب أن يجمع بين تمكين الفرد وإصلاح البيئة التي يعمل داخلها.
المعالجة الجادة تبدأ من إعادة تعريف سياسة التشغيل نفسها.
ينبغي أن يصبح هناك ربط أكثر دقة بين بيانات الخريجين واحتياجات سوق العمل، وتوسيع التعليم التقني والمهني، وتشجيع التدريب المدفوع والتلمذة المهنية، وتحفيز القطاع الخاص على تشغيل حديثي التخرج، وتسهيل إنشاء المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وإتاحة التمويل المرتبط بالتدريب والتوجيه، إلى جانب دعم الاقتصاد الرقمي والعمل عن بُعد.
والأهم من ذلك بناء منظومة معلومات لسوق العمل تستطيع أن تجيب بوضوح عن أسئلة أساسية: ما الوظائف التي يحتاجها الاقتصاد؟ ما المهارات المطلوبة؟ أين توجد الفجوات؟ وما التخصصات التي يتزايد عرضها دون طلب كافٍ؟
فغياب هذه المعلومات يجعل الشباب يسيرون أحيانًا نحو تخصصات لا يجدون لها سوقًا، ثم نعود بعد سنوات لنسأل لماذا ارتفعت البطالة بين الخريجين.
نجاح الدولة في ملف الشباب لا يقاس بعدد الجامعات التي أنشأتها، ولا بعدد الشهادات التي منحتها، وإنما بقدرتها على الانتقال بالشاب من التعليم إلى المهارة، ومن المهارة إلى العمل، ومن العمل إلى الإنتاج، ومن الإنتاج إلى الاستقلال الاقتصادي.
هذه هي السلسلة التي ينبغي ألا تنقطع.
فإذا حصل المجتمع على آلاف الشهادات دون أن يوفر مسارات واضحة لاستخدام المعرفة، فإنه لا يبني رأس مال بشريًا فاعلًا، بل يراكم توقعات عالية في مواجهة اقتصاد محدود القدرة على الاستيعاب.
ومن هنا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يجلس الشاب فترة قصيرة على «رصيف الانتظار»، وإنما أن يصبح الانتظار نمطًا اقتصاديًا واجتماعيًا مستدامًا.
فحين يفقد جيل كامل ثقته في جدوى التعليم والعمل، لا تكون الخسارة في دخله فقط؛ بل في الإنتاجية، والاستثمار، والابتكار، والاستقرار الاجتماعي، وفي قدرة المجتمع على بناء مستقبله.
الشباب ليسوا فائضًا عن حاجة الاقتصاد؛ إنهم أحد أهم موارده. والمشكلة ليست في وجود طاقات شابة تنتظر، وإنما في اقتصاد لم يجد بعد الآليات الكافية لتحويل هذه الطاقات إلى إنتاج.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يتصدر النقاش لم يعد: «متى يجد الشباب وظائف؟»، بل سؤال أكثر عمقًا: «أي اقتصاد نريد أن نبني حتى يجد شبابنا مكانهم الطبيعي داخله؟»




