مقالات

فاطمة حافظ تكتب.. عاطف أبو شوك.. مهندس “اقتصاد الحرب” الذي أعاد النبض لخزينة الجزيرة

في زمن الحرب، لا تُقاس عبقرية الرجل بما يملك، بل بما يصنع من العدم.
وإذا كان البندق هو لغة الميدان، فإن الميزانية هي لغة الصمود. ومن أتقن هذه اللغة في ولاية الجزيرة، فحول العجز إلى إدارة أزمة، والشح إلى خطة، كان الوزير _عاطف محمد إبراهيم أبو شوك_.

من “خزنة فاضية” إلى غرفة عمليات
بعد تحرير ولاية الجزيرة، ورثت وزارة المالية إرثاً ثقيلاً: مصانع مدمرة، وأسواق نائمة، وجبايات انهارت، وميزانية لم تعد تتسع إلا لشيء واحد.. الحرب.
ولم يكن في الخزينة ما يسند ظهر الدولة، سوى إيرادات إدارة البترول التي وقفت وحدها كشاهد على أن في الجزيرة ما يستحق الحياة.
لم يرفع أبو شوك شعار “لا نملك”. بل رفع شعاراً أخطر: “ندير ما نملك بحكمة”.
فكانت “وصفته” الأولى: ترشيدٌ بلا تجويع، وتوجيهٌ بلا إسراف.

دم الحرب.. يصل الارتكازات
وجه الكتلة النقدية المتاحة مباشرة نحو شريان المعركة. دعم الإسناد المدني والعسكري، ووفّر ما تحتاجه الارتكازات والقوات المرابطة من ضروريات.
لم يكن هذا تبذيراً، بل استثماراً في الأمن. لأنه أدرك القاعدة الذهبية: لا اقتصاد بلا أمن، ولا جباية بلا استقرار.
وبذلك ساهم المال في تحرير عاصمة الولاية والمحليات، جنباً إلى جنب مع البندقية.

جباية بذكاء.. لا بضغط
ولأنه يعلم أن “العصر” لا يُنتج زيتاً من الحجر، اشتغل بالمتاح.
فعل التحصيل الجزئي من المناطق الآمنة، وأطلق نظام “إيصالى” الإلكتروني ليغلق أبواب التسرب، ويضمن أن كل جنيه يدخل الخزينة الموحدة.
وفي ذات الوقت، لم يُثقل كاهل المواطن. بل ذهب ليوسع المظلة الضريبية بضم الأنشطة الاقتصادية البديلة التي ولدت في رحم الأزمة، فجعل من المحنة مصدر دخل.
إنسانية في زمن العجز
لكن أبو شوك لم يكن وزير مالية للحرب فقط. كان وزيراً للإنسان أيضاً.
دفع بميزانيات عاجلة للمستشفيات والمراكز الصحية لتوفير الأدوية المنقذة للحياة. مول شراء زيوت المحولات ومنظومات الطاقة الشمسية لتبقى المؤسسات الخدمية مضاءة.
وفي التعليم، لم يسمح للمدرسة أن تسقط. نسّق لاستمرار الدراسة، وتوفير الإجلاس والكتاب المدرسي. واليوم تقف لجنة الاختيار على أعتاب تعيين 10 ألف معلم ومعلمة، في رسالة بأن المستقبل لا يُؤجل.

من الصمود إلى النهضة
ولأن الحرب لا تدوم، بدأ يفكر في ما بعدها. وبالتنسيق مع مفوضية الاستثمار، فتحت الوزارة نوافذ للاستثمار الزراعي والصناعي.
وتم التعاقد عبر وزارة التخطيط العمراني مع شركة “زادنا” لتأهيل 20 كيلو متر من طرق ود مدني، دفعت المالية فيها أكثر من تسعة تريليون، وبدأت الشركة التنفيذ. إنها أولى خطوات العودة من “اقتصاد الصمود” إلى “اقتصاد البناء”.

عبقرية القليل
يوصف عاطف أبو شوك بأنه أبرز مهندس اقتصاد على مستوى ولايات السودان، ليس لأنه وجد المال الوفير، بل لأنه أدار شح المال بمهارة الجراح.
حول وزارة المالية من مجرد “خزنة” إلى “عقل مدبر” للأزمة.
الرهان عليه الآن أكبر: أن يحول هذا الصمود المالي الذي أنقذ الولاية، إلى نهضة اقتصادية تعيد للجزيرة عرشها الزراعي والصناعي والتجاري.
_شكراً أبو شوك.. لأنك علمتنا أن العبقرية الحقيقية ليست في وفرة الموارد، بل في وفرة الحيلة حين تندر الموارد._

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى