
حين اشتدّ لظى الحرب في الخرطوم، تحوّل البحر الأحمر إلى قدر يصنع المستقبل. فتح الساحل الشرقي ذراعيه للسودانيين ليكون الملاذ والملجأ، واحتضنت *”بورتسودان”* ملايين النازحين من مختلف الولايات، ومدّت يداً بيضاء للدولة حين اتخذتها عاصمة إدارية مؤقتة في مرحلة استثنائية سبقت العودة المرتقبة إلى الخرطوم.
وفي غمرة الأزمة، أعاد السودانيون اكتشاف “درة بحرية” تتكئ على أحد أصلب المشاريع الاستراتيجية في البلاد: *”الموانئ الوطنية”*. لم تعد “بورتسودان” مدينة ساحلية فحسب، بل كشفت الحرب عن مقومات تؤهلها لأن تكون *عاصمة اقتصادية جادة* ومؤثرة في القرار الوطني. غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى واقع ملموس يتطلب رؤية تنموية استثنائية تبدأ بالبنية التحتية والخدمات الأساسية.
فليس من المنطق أن تظل مدينة بهذا الثقل الاستراتيجي رهينة للإمداد الكهربائي القادم من سد مروي وتحت رحمة الأعطال المتكررة. من هنا، فإن الإسراع في استكمال محطة كهرباء *”كلانييب”* أصبح ضرورة أمنية واقتصادية لا تحتمل التأجيل.
ورغم التحديات، شهدت “بورتسودان” خلال الفترة الماضية حركة تنموية متسارعة. وفي مقدمتها ملف المياه باعتباره التحدي الأكبر لمدينة تضاعف عدد سكانها. تحركت الولاية نحو مشروع مياه النيل الممتد، بالتوازي مع إجراءات عاجلة لتعزيز المصادر القائمة. وتمكنت حكومة الولاية من إدارة أزمة المياه بكفاءة ومنع حدوث شح واسع رغم الضغط الاستثنائي.
وفي هذا السياق، جرى تأهيل *الخزان الرابع لسد أربعات* بتمويل من “جهاز المخابرات العامة” برفع سعته إلى نحو 7 ملايين متر مكعب. كما وقّعت حكومة البحر الأحمر عقود تنفيذ *خمسة سدود جديدة* منها “عروس” و”أندرايديب”، إلى جانب إنشاء محطة تحلية بطاقة 50 ألف متر مكعب بنظام الـ BOT، والتواصل مع السعودية لإنشاء محطات تحلية كبرى.
وعادت عجلة العمل إلى شوارع “بورتسودان” بعد سنوات توقف، حيث تمت إعادة سفلتة نحو *77 كيلومتراً* من الطرق الداخلية، والبدء في سفلتة طريق *”بورتسودان – طوكر”* بطول 17 كيلومتر.
كما شهدت المدينة تحولاً في الخدمات الصحية بافتتاح *مركز الطوارئ والإصابات* كأول مستشفى متخصص للطوارئ على مستوى السودان، وافتتاح *مركز “إيلا” للقلب*، وتأهيل مستشفى الولادة، وتطوير مستشفى الأطفال بحضانات حديثة بدعم “مركز الملك سلمان للإغاثة”، وافتتاح مركز لغسيل الكلى وآخر للأطراف الصناعية، وصيانة مستشفى “عثمان دقنة”.
إن هذه المشروعات هي اللبنات الأولى لإعادة تعريف “بورتسودان” ودورها في الدولة. فالحرب كشفت أن الساحل الشرقي ليس مجرد منفذ بحري، وإنما يمكن أن يكون *مركزاً اقتصادياً واستراتيجياً* إذا توافرت له البنية والطاقة والمياه والخدمات.
تؤكد تجربة “بورتسودان” أن إرادة الصمود تحول تحديات الحرب إلى فرصة للبناء. وما تم إنجازه يمثل أساساً لساحل سوداني واعد قادر على صناعة مقومات العاصمة الاقتصادية.
لكن تبقى *الكهرباء هي الحلقة الأضعف*. مدينة بهذا الثقل لا يمكن أن تبني مستقبلها على إمداد هش. لقد قطعت “بورتسودان” نصف الطريق، وما ينقصها الآن ليس الموقع ولا الإرادة، وإنما بنية تحتية تليق بالدور الذي فرضته عليها الجغرافيا والحرب… وفي مقدمة ذلك: *كهرباء مستقرة، لأن انقطاعها قد يطفئ أحلام مدينة كاملة*.
*محبتي واحترامي*
*رشان أوشي*




