
لم تكن زيارة الفريق أول الركن *عبدالفتاح البرهان* إلى مدينة *المناقل* مجرد محطة في جولة تفقدية. كانت إعلاناً سياسياً وأمنياً ووجدانياً في آنٍ واحد. اختيار المناقل في هذا التوقيت تحديداً يحمل دلالات تتجاوز البروتوكول، ويضع الولاية كلها في قلب معادلة ما بعد الحرب.
*رمزية المكان.. لماذا المناقل؟*
المناقل لم تأتِ بالصدفة. هذه المدينة تحولت خلال أشهر الحرب إلى رئة الجزيرة. عندما سقطت مدن وتعطلت طرق، ظلت المناقل عاصمة إدارية مؤقتة، وممراً آمناً، وملاذاً للنازحين، وشرياناً للاقتصاد والإغاثة.
هي التي احتضنت، وهي التي صمدت، وهي التي ساهمت بدم أبنائها في معركة تحرير الجزيرة.
من هنا، يصبح الوقوف في ساحتها اليوم بمثابة رد اعتبار وتثبيت لحقيقة: *الجزيرة انتصرت لأن المناقل لم تسقط*.
*الرسالة الأولى: وحدة الصف خلف القوات المسلحة*
الخطاب الذي حملته الزيارة كان واضحاً بلا مواربة. لا تحرير مكتمل، ولا أمن مستدام، إلا بـ *التفاف شعبي صلب حول القوات المسلحة*.
البرهان لم يخاطب السياسيين فقط، بل خاطب المزارع في حقله، والتاجر في سوقه، والمعلم في مدرسته: المرحلة تتطلب أن يكون كل سوداني “جندياً في موقعه” حتى يُطوى ملف التمرد نهائياً.
هذه ليست دعوة للتعبئة، بل هي قراءة واقعية لطبيعة المرحلة الانتقالية من القتال إلى البناء.
*الرسالة الثانية: طي صفحة ما بعد الحرب*
أخطر ما ورد في مضمون الزيارة هو إعلان نهاية عهد سياسي. عبارة “لا مكان لمن باعوا الوطن وتاجروا بدماء أهله” لم تكن شعاراً، بل كانت تحديداً لهوية المرحلة القادمة.
الحرب فرزت. فرزت بين من حمل السلاح للدفاع ومن حمل القلم لتبرير القتل. بين من صمد في مدينته ومن هرب ليُتاجر بقضيتها.
الشعب، كما بدا من أجواء الاستقبال في المناقل، يريد قطع الطريق على أي محاولة لإعادة إنتاج ذات الوجوه التي قادته إلى هذه الكارثة. *صفحة المغفرة طُويت، وصفحة الحساب بدأت*.
*الجزيرة إلى أين؟*
الزيارة تضع ولاية الجزيرة أمام استحقاق كبير. إذا كانت المناقل قد نجحت في إدارة الأزمة، فالمطلوب الآن أن تقود عملية إعادة الإعمار.
التحدي القادم ليس أمنياً فقط، بل خدمي واقتصادي. إعادة تشغيل المشاريع، إصلاح البنية التحتية، وإعادة الثقة للمزارع والتاجر.
رسالة المناقل تقول للحكومة: *هنا كانت العاصمة المؤقتة في الشدة، فاجعلوها نموذجاً في الرخاء*.
*الخاتمة*
زيارة البرهان للمناقل ليست نقطة في سطر، بل هي سطر كامل في كتاب ما بعد الحرب.
هي تأكيد أن الدولة تدرك أين كان الصمود، ومن أين سيبدأ البناء.
الجزيرة عادت، والصمود انتصر، والرسالة الأهم: *السودان الجديد لن يُبنى إلا بأيادٍ لم تتلطخ، وبإرادة لم تنكسر*.
*محمد البشير حنبكة*
*المحور*




