
أعاد منشور لطبيبة مصرية انتشر قبل أيام الحديث عن “العنف التوليدي” إلى الواجهة. حكت الطبيبة عن وقائع شهدتها أثناء امتيازها في أحد المستشفيات، فجاءت آلاف التعليقات من نساء يؤكدن أن ما كتبته ليس حالة فردية.
وفي مصر، تحركت وزارة الصحة، وبادر المستشفى الذي ذكرته الطبيبة بفتح تحقيق. أما في السودان، فالقصة مختلفة تماماً.
منذ سنوات طويلة، تتناول السودانيات هذا الملف في القروبات النسائية المغلقة. ومع كل منشور يفتح النقاش، تتدفق آلاف التعليقات تحمل الوجع ذاته والتفاصيل ذاتها: ألفاظ مهينة من القابلات، وصراخ في وجه المتألمة “بطلي دلع، ما أول وحدة تولد”. عنف جسدي يتمثل في الضرب والقرص والضغط على البطن لإخراج الجنين. وتتجاوز الانتهاكات ذلك إلى تحرش لفظي وجسدي من بعض أفراد الكادر الطبي، في اللحظة التي تكون فيها المرأة عارية وموجوعة ومكشوفة، لا تملك إلا صراخاً لا يسمعه أحد.
وأخطر من ذلك كله، خياطة (العدل) أو تضييق للمهبل دون موافقة أو تخدير، وأحياناً إجراء ختان رغماً عن الأم وهي بين الحياة والموت.
إنها ليست أخطاء طبية، بل إساءة معاملة ممنهجة في اللحظة التي يفترض أن تكون الأقدس: لحظة استقبال روح جديدة.
في مصر، كلمة واحدة من طبيبة أشعلت تحركاً رسمياً وتحقيقاً. وفي السودان، آلاف المنشورات وآلاف الشهادات على مدى سنين، ولا صوت يجيب. لا بيان من وزارة الصحة، ولا رقابة داخلية تُحاسب، ولا دورات تدريبية إلزامية للقابلات والعاملين عن الرحمة وأخلاقيات المهنة.
وسط كل هذا، يغيب رد الكادر الطبي. قليل من يعتذر، وقليل من يرشد، وكثير من يصمت كأن الأمر عادي.
المرأة التي تدخل غرفة الولادة لا تستحق الإهانة ولا التحرش ولا الضرب. تستحق يداً حانية، وكلمة طيبة، وستراً لعورتها، واحتراماً لوجعها الذي وصفته منظمة الصحة العالمية بأنه الأشد ألماً بين آلام البشر.
إن كان الكادر الطبي غير قادر على حفظ كرامة المريضة، فالمهنة ليست له.
رقابة داخلية في كل مستشفى، عبر إدارة مختصة تتابع حالات الولادة لحظياً، واستبيان يُسلّم للوالدة وأهلها بعد الولادة مباشرة لتلقي الشكاوى وتوثيق أي تجاوز، مع رصد ومتابعة ومحاسبة لكل حالة عنف أو تحرش مثبتة، وتدريب إجباري لكل العاملات والعاملين في التوليد على “الرحمة المهنية” و”ميثاق شرف المهنة”.
منشور الطبيبة المصرية لم يكشف شيئاً جديداً للسودانيات. هو فقط ذكّرنا بأن صرخاتنا مؤجلة منذ سنين. وكفى تأجيلاً، وكفى وجعاً.
—




