
حين تتعثر بنادق الداخل عن حسم معاركها، وتستنفد منابر الإقليم أوراقها، وتبلغ الكلفة الإنسانية حداً يهدد بقاء الدولة ذاتها، تتحول أروقة مجلس الأمن الدولي إلى ساحة المعركة الأخيرة. في هذا السياق الدقيق يأتي مشروع القرار الأمريكي المتوقع عرضه على مجلس الأمن الدولي في دورته المنعقدة بالأسبوع الأخير من أكتوبر 2026م بشأن السلام في السودان، لا بوصفه وثيقة قانونية فحسب، بل بوصفه مرآة تعكس مأزق النخب الوطنية وعجزها عن إنتاج تسوية تاريخية. إنه إعلان صريح بأن الملف السوداني قد انتقل من هامش الوساطات المتعثرة إلى مركز الاستراتيجيات الدولية الكبرى. غير أن خطورة اللحظة لا تكمن في البنود المكتوبة، بل في ما بين السطور، في موازين القوة التي ستحدد هل يكون القرار جسراً نحو سيادة مستعادة أم معبراً نحو وصاية مقنعة. وعليه فإن التعامل مع هذا المشروع يقتضي من العقل السوداني أن يرتقي إلى مستوى التحدي، فيقرأ ولا يتلقى، ويتفاوض ولا يذعن، ويؤس ولا يستهلك.
إن مشروع القرار الأمريكي المطروح بشأن وقف الحرب في السودان يمثل نقطة تحول جذرية في مسار الأزمة، إذ ينقلها من إطار التفاوض الطوعي إلى إطار الإلزام الأممي، ومن فضاء المبادرات الإقليمية المتضاربة إلى فضاء الشرعية الدولية الموحدة. وقد جاء هذا التحرك بعد ثلاث سنوات من حرب أكلت الأخضر واليابس، وأفضت إلى نزوح ما يربو على عشرة ملايين مواطن، وتدمير ما يزيد على ثمانين بالمائة من البنية الصناعية والخدمية، وانهيار العملة الوطنية إلى مستوى 3200 جنيه مقابل الدولار في السوق الموازي بحسب بيانات بنك السودان لسبتمبر 2026م، واتساع رقعة المجاعة التي تهدد خمسة وعشرين مليون نسمة وفق تقارير برنامج الغذاء العالمي. في ظل هذا الانهيار الشامل، لم تعد المسألة السودانية شأناً داخلياً، بل غدت تهديداً للسلم والأمن الدوليين بموجب المادة التاسعة والثلاثين من ميثاق الأمم المتحدة، وهو التكييف القانوني الذي تستند إليه واشنطن لتبرير تدخلها. غير أن التوقيت الأمريكي لا ينفصل عن تحولات النظام الدولي، فهو يأتي في لحظة تآكل النفوذ الغربي في القارة الأفريقية، وصعود المحور الروسي الصيني، وتنامي الدور الخليجي التركي. من هنا فإن القرار هو محاولة أمريكية لاستعادة زمام المبادرة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وقطع الطريق على تمدد موسكو في موانئ الذهب السودانية وتحديداً اتفاقية “قاعدة فلامنجو” البحرية، وإعادة هندسة التحالفات الإقليمية بما يخدم مشروع دمج السودان في الترتيبات الأمنية والاقتصادية الجديدة الممتدة من تل أبيب إلى أبوظبي. كما أن استمرار الحرب يعطل استثمارات أمريكية وغربية معلنة تقدر بسبعة مليارات دولار في الزراعة والتعدين والموانئ، ويهدد أمن الملاحة في باب المندب الذي يمر عبره اثنا عشر بالمائة من التجارة العالمية، ويفتح الباب أمام هجرات جماعية نحو أوروبا تقدرها المفوضية الأوروبية بمليون لاجئ محتمل خلال عامين. لذلك فإن القرار أداة لإعادة ضبط المصالح وليس فعلاً أخلاقياً مجرداً، وهو ما تؤكده مذكرة التفاهم الأمريكية الإسرائيلية المسربة في أغسطس 2026م التي تربط استقرار السودان بأمن البحر الأحمر.
وبالتحليل البنيوي لنص المشروع، يتبين أنه يقوم على ثلاث ركائز متلازمة مدعومة بملحقين سريين للتنفيذ. الركيزة الأولى تتعلق بوقف الأعمال العدائية، وهي لا تكتفي بالدعوة إلى هدنة، بل تؤس لآلية مراقبة وتحقق دولية إلزامية تشرف عليها إدارة الشؤون السياسية بالأمم المتحدة مع مشاركة إقليمية عبر آلية “الإيقاد الموسعة” التي تضم مصر وتشاد وجنوب السودان، وتستند إلى نظام عقوبات تلقائية يطال الطرف الذي يخرق وقف النار أو يعرقل وصول المساعدات الإنسانية، وتشمل العقوبات حظر السفر وتجميد الأصول وحظر تصدير الذهب. هذا التحول من الوساطة إلى الإلزام هو جوهر القطيعة مع مسار جدة. أما الركيزة الثانية فهي سياسية بامتياز، إذ تنص على تشكيل حكومة مدنية انتقالية من كفاءات وطنية مستقلة لا يتجاوز عددها خمسة عشر وزيراً، تتمتع بصلاحيات تنفيذية كاملة في إدارة الدولة والاقتصاد والعلاقات الخارجية، مع استبعاد صريح للعسكريين من أي دور تنفيذي خلال الفترة الانتقالية التي حددها المشروع بأربعة وعشرين شهراً قابلة للتجديد ستة أشهر مرة واحدة. والأخطر في هذه الركيزة أنها تربط المسار السياسي بتفكيك ما يسمى “اقتصادات الحرب”، أي الشبكات المالية والتجارية التي تغذي استمرار القتال، من تهريب الذهب المقدر بستة أطنان شهرياً عبر الحدود، إلى تجارة السلاح والوقود المدعوم. فالمشروع يدرك أن جذر الأزمة ليس عسكرياً فحسب، بل هو اقتصادي يتمثل في تغول المؤسسة العسكرية والأمنية على مفاصل الثروة الوطنية التي تقدر بأربعين بالمائة من الناتج المحلي. والركيزة الثالثة أمنية، وتقضي بتجميع القوات المتحاربة في ثمانية معسكرات محددة خارج المدن والمناطق المأهولة، وبدء عملية دمج وتسريح متدرجة بإشراف لجنة عسكرية مشتركة تضم خبراء من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وحلف الناتو، وصولاً إلى جيش مهني موحد لا يتجاوز قوامه مائة وعشرين ألف جندي خاضع للسلطة المدنية. ولئن كان النص يتجنب ذكر الفصل السابع صراحة تلافياً للفيتو، فإنه يستبطن روحه عبر تفويض “اتخاذ كافة التدابير اللازمة لحماية المدنيين وتأمين إيصال المساعدات وضمان حرية الحركة”، وهي العبارة التي استخدمت سابقاً لتبرير التدخلات العسكرية المقننة في ليبيا وكوسوفو.
إن البعد الاقتصادي هو القلب النابض للمشروع الأمريكي، وهو البعد الذي تم إغفاله في معظم المبادرات السابقة. فالوثيقة لا تكتفي بفرض السلام، بل ترفقه بحزمة مالية أولية قدرها خمسة عشر مليار دولار لإنشاء “صندوق إعادة إعمار السودان”، يدار عبر آلية دولية يرأسها مبعوث الأمم المتحدة وتشارك فيها البنك الدولي وصندوق النقد ووزارة الخزانة الأمريكية. غير أن هذا التمويل مشروط بجملة من الإصلاحات الهيكلية التي تمس صميم بنية الدولة السودانية. فلا تمويل دون حكومة مدنية ذات مصداقية، ولا حكومة مدنية دون إصلاح شامل لقطاع الأمن يتضمن إخضاع كافة الشركات الاقتصادية للمراجعة، ولا إصلاح أمني دون شفافية كاملة في إدارة الموارد الطبيعية وتفكيك الشركات الرمادية التابعة للمؤسسة العسكرية والأمنية والبالغ عددها مائتين وسبع عشرة شركة مسجلة وخارج الموازنة. بهذا المعنى، فإن المشروع يستهدف إحداث قطيعة تاريخية مع نموذج الدولة الريعية القائمة على استخراج الذهب وتهريبه، والجبايات، والاقتصاد الموازي الذي يمثل ستين بالمائة من الاقتصاد الكلي. وهو بذلك يعيد تعريف الرابحين والخاسرين من السلام. فالرابح الأكبر هو القطاع الخاص الوطني المنتج، والشباب الباحث عن فرص عمل كريم والذين تجاوزت بطالتهم اثنين وسبعين بالمائة، والولايات المهمشة التي ستنال حظها من التنمية. أما الخاسر الأكبر فهم أمراء الحرب وشبكات التهريب العابرة للحدود والوكلاء الإقليميون الذين يعتاشون على استمرار الفوضى. لذلك فإن المقاومة الحقيقية للمشروع لن تأتي من جبهات القتال، بل من دهاليز المصالح المتجذرة التي ترى في السلام تهديداً وجودياً. وهنا تكمن خطورة “الفيتو الداخلي” الذي قد يكون أشد من الفيتو الروسي.
وعند تحليل موازين القوى المحيطة بالمشروع، تتكشف خريطة معقدة من التقاطعات. على الصعيد الداخلي، ترحب القوى المدنية الديمقراطية بالمشروع من حيث المبدأ لأنه يعيدها إلى قلب المعادلة السياسية، لكنها تتوجس من أن يتحول التدخل الدولي إلى وصاية دائمة تفرغ الانتقال من مضمونه الوطني، خاصة مع غياب النص على موعد الانتخابات. المؤسسة العسكرية النظامية تنظر إلى المشروع بوصفه استهدافاً مباشراً لامتيازاتها الاقتصادية والسياسية، ولذلك تراهن على المظلة الروسية الصينية في مجلس الأمن لتعطيله أو إفراغه من مضمونه، مستندة إلى اتفاقية الدفاع المشترك مع موسكو الموقعة في 2024م. في المقابل، ترى قوات الدعم السريع في القرار طوق نجاة سياسي بعد التراجع الميداني وخسارة سبعين بالمائة من مناطق السيطرة، لكنها ترفض بشدة بند الدمج الفوري في الجيش وتشترط محاصصة في القيادة الموحدة. أما على الصعيد الإقليمي، فإن الموقف ليس موحداً. مصر والمملكة العربية السعودية تبديان تحفظاً على الشق السياسي من القرار، وتفضلان مقاربة أمنية تحافظ على تماسك مؤسسات الدولة ولو بقيادة عسكرية، خشية من انتقال عدوى الفوضى أو صعود تيارات معادية لاتفاقيات السلام الإقليمية، وقد قدمتا مسودة تعديلات تطالب بحذف بند إقصاء العسكريين. في المقابل، تدعم كل من دولة الإمارات وإثيوبيا وتشاد المسار الأمريكي بهدف وقف تدفق اللاجئين الذي تجاوز ثلاثة ملايين، ووقف تدفق السلاح، عبر الحدود. دولياً، تملك روسيا ورقة الفيتو وهي مرشحة لاستخدامها دفاعاً عن مصالحها التعدينية والعسكرية في السودان التي تتجاوز ملياري دولار سنوياً، بينما تسعى الصين إلى مقايضة موقفها بضمانات تتعلق باستثماراتها في النفط والزراعة البالغة أحد عشر مليار دولار، وقد اشترطت بكين استثناء شركاتها من أي مراجعة. هذه المعادلة تعني أن مرور القرار بصيغته الحالية مرهون بصفقة كبرى ترضي موسكو وبكين، أو أنه سيخضع لتعديلات جوهرية تفرغه من آلياته الإلزامية.
واستشرافاً للمستقبل، فإن السيناريوهات المفتوحة أمام القرار ثلاثة، ولكل سيناريو كلفته الاستراتيجية. السيناريو الأول، وهو الأرجح بنسبة ستين بالمائة وفق تقديرات مراكز التفكير، يتمثل في تمرير القرار بعد إدخال تعديلات تميعه وتحوله من صك إلزامي إلى بيان نوايا عام، فيفقد قيمته العملية ويضاف إلى أرشيف القرارات الدولية غير المنفذة كالقرار 1591. السيناريو الثاني بنسبة ثلاثين بالمائة هو لجوء روسيا أو الصين إلى استخدام حق النقض، ما سيدفع الولايات المتحدة إلى تجاوز مجلس الأمن وتشكيل “تحالف الراغبين” لفرض عقوبات أحادية ومناطق حظر طيران، وهو مسار خطير سيعمق الاستقطاب الدولي ويحول السودان إلى ساحة صراع بالوكالة على غرار النموذج السوري، وكلفته على السودان تفك كامل. أما السيناريو الثالث، وهو الأقل احتمالاً بعشرة بالمائة، فيتمثل في تمرير القرار كما هو، ما يعني عملياً وضع السودان تحت إدارة دولية انتقالية لخمس سنوات على الأقل، وهو ما يمثل انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية وإن تم تغليفه بلغة حماية المدنيين. في جميع هذه السيناريوهات، يقف السودان أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن يمتلك الإرادة السياسية لاستثمار الزخم الدولي وفرض تسوية وطنية عادلة، أو أن يترك مصيره رهينة لتجاذبات القوى الكبرى.
وإزاء هذا الواقع، فإن المطلوب من الحكومة السودانية والقوى الوطنية الحية ليس الرفض العدمي الذي يعزل السودان، ولا القبول المذل الذي يفرط في السيادة. المطلوب هو استراتيجية وطنية ذكية تتعامل مع المشروع الأمريكي بوصفه فرصة وتحدياً في آن واحد. وهنا أقترح حزمة إجراءات فورية تصب في مصلحة الحكومة وتحفظ كرامة السودان وهويته. على الصعيد الدبلوماسي، تشكيل خلية أزمة دبلوماسية عليا برئاسة رئيس مجلس السيادة وعضوية وزيري الخارجية والمالية ورئيس جهاز المخابرات وممثلين عن القوى المدنية والقطاع الخاص، تكون مهمتها إدارة ملف القرار في نيويورك والجامعة العربية بشكل متزامن، مع تفويض كامل للتفاوض على تعديلات تحفظ السيادة. ويجب تبني “دبلوماسية الاشتراط المتبادل”، أي قبول المبدأ ورفض الآليات التي تمس السيادة، وقبول الهدف ورفض الوصاية. فالحكومة السودانية تملك أوراقاً قوية: الورقة الأفريقية عبر دفع الاتحاد الأفريقي لتبني القرار مع تعديله ليصبح أفريقي القيادة دولي الدعم، والورقة العربية عبر تفعيل دور الجامعة العربية كون السودان قطراً مؤساً، وورقة المصالح حيث يملك السودان مفتاح الأمن الغذائي العربي والأمن المائي المصري والأمن الاستراتيجي الخليجي في البحر الأحمر. ويجب تفعيل المادة السادسة من ميثاق الاتحاد الأفريقي التي تمنع التدخل الأحادي في شؤون الدول الأعضاء دون تفويض أفريقي.
أما على الصعيد الاقتصادي الاستراتيجي، فإن القرار يفتح نافذة مخاطر وفرص غير مسبوقة. المخاطرة الكبرى تكمن في “فخ الإعمار المشروط”، حيث يتحول التمويل الدولي إلى أداة لإعادة تشكيل الاقتصاد السوداني وفق أولويات الدائنين لا وفق أولويات التنمية الوطنية. والتجارب الدولية في العراق وأفغانستان ولبنان تثبت أن أموال الإعمار حين تدار من الخارج تذهب سبعون بالمائة منها إلى الشركات الأجنبية والاستشارات، ولا يصل إلى الاقتصاد المحلي إلا الفتات، بينما يرث البلد ديناً سيادياً جديداً. والفرصة التاريخية تكمن في تحويل القرار من عبء إلى رافعة عبر ثلاثة مسارات. المسار الأول هو “توطين التمويل”، ويقوم على اشتراط أن يكون “صندوق إعادة إعمار السودان” تحت إدارة سيادية سودانية مشتركة، وأن تودع أمواله في “بنك الإعمار الوطني” المقترح بمرسوم سيادي عاجل، وأن تلتزم الشركات المنفذة بنسبة مكون محلي لا تقل عن ستين بالمائة، وأن تكون الأولوية لمشروعات البنية التحتية الإنتاجية كالكهرباء والري والسكك الحديدية. المسار الثاني هو “المقايضة الاستراتيجية”، ويقوم على ربط رفع العقوبات وإسقاط الديون البالغة ستين مليار دولار بتعهدات سودانية محددة في ملف التحول الديمقراطي والانتخابات خلال ثمانية عشر شهراً، مقابل تعهدات أمريكية وغربية محددة في ملف الاستثمار الصناعي ونقل التكنولوجيا، خاصة في مجالات الطاقة الشمسية والدواء والغذاء وصناعة المدخلات الزراعية. المسار الثالث هو “الضمانات المتبادلة”، حيث تقدم الحكومة السودانية ضمانات قانونية ودستورية بعدم عودة الحكم العسكري والالتزام بالشفافية وإنشاء مفوضية مستقلة لمكافحة الفساد، مقابل ضمانات دولية مكتوبة بعدم فرض الوصاية واحترام وحدة الجيش الوطني وعدم دعم أي مشاريع انفصالية ورفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب نهائياً.
ولكي يتحول هذا التحليل إلى سياسة تنفيذية، على الحكومة الإعلان الفوري عن “المبادرة الوطنية لإعادة الإعمار” قبل صدور القرار الدولي، وتتضمن حصر الأضرار عبر لجنة وطنية دولية مشتركة، وتحديد الأولويات الوطنية، وإنشاء صندوق سيادي وطني برأس مال وطني أولي مليار دولار من عائدات الذهب، ودعوة المغتربين والقطاع الخاص للمساهمة، وذلك لسحب ذريعة الفراغ من يد المجتمع الدولي. وعلى الصعيد الإعلامي، إطلاق خطاب سيادي رصين يخاطب الداخل والخارج، يرحب بأي جهد دولي صادق لوقف الحرب، ويرفض في الوقت ذاته أي مساس بوحدة السودان أو جيشه أو ثرواته، ويؤكد أن الحل لن يكون إلا سودانياً سودانياً. وعلى الصعيد القانوني، إعداد ملف قانوني متكامل يفند أي ذرائع للتدخل تحت الفصل السابع، ويؤكد قدرة الدولة على حماية مواطنيها متى توقفت الحرب وتوفر الدعم اللوجستي، والاستناد إلى سابقة “مسؤولية الحماية” التي تشترط فشل الدولة وهو ما لم يحدث بعد. إن جوهر الدبلوماسية الاقتصادية الناجحة في هذه اللحظة هو تحويل السودان من “مسرح عمليات” إلى “شريك استراتيجي”. وهذا لن يتحقق بالشعارات، بل بامتلاك رؤية اقتصادية بديلة واضحة. فبدلاً من انتظار صندوق دولي قد لا يأتي أو يأتي مشروطاً، على الحكومة أن تبادر بإطلاق “سندات السيادة والإعمار” بضمان أصول حقيقية مثل احتياطي الذهب المقدر بمائة وأربعين طناً والصمغ العربي والمواشي، وتطرحها للمغتربين والدول الصديقة، لتكون نواة التمويل الوطني. وبدلاً من الخوف من بند تفكيك اقتصاد الحرب، تبادر الحكومة نفسها إلى تحويل شركات المنظومة الأمنية إلى شركات مساهمة عامة تطرح في البورصة، ويكون ريعها للخزينة العامة، وبذلك تضرب عصفورين: تطمئن المجتمع الدولي، وتحافظ على الأصول الوطنية وتمنع خصخصتها للأجانب. وبدلاً من الانكفاء على خطاب المظلومية، تقدم السودان نفسها كدولة محورية في الأمن الغذائي العالمي بسبعين مليون فدان صالحة للزراعة، والأمن المائي الإقليمي، وأمن الطاقة المتجددة بثلاثمائة يوم مشمس سنوياً، وتطلب الاستثمار لا المساعدة. ويجب إصدار قانون “حماية الإنتاج الوطني” فوراً لضمان أن أي إعمار لا يتحول إلى سوق لمنتجات الآخرين.
إن مشروع القرار الأمريكي ليس هدية سلام تقدم على طبق من ذهب، بل هو اختبار استراتيجي لإرادة الدولة السودانية وقدرتها على الفعل التاريخي. إنه يضع النخبة الحاكمة والمعارضة أمام مرآة الحقيقة، فإما أن ترى فيها تشوهاتها فتبادر إلى إصلاح ذاتها وإنتاج مشروع وطني جامع يقطع الطريق على التدخلات، وإما أن تستمر في إنكار الواقع فتجد نفسها مجرد شاهد على قرارات تصاغ في عواصم أخرى. التاريخ يعلمنا أن الأمم التي تنتظر أن يمنحها الآخرون السلام، تمنحهم في المقابل سيادتها. والفرق بين السلام المفروض والسلام المصنوع هو ذاته الفرق بين الوصاية والاستقلال. إن اللحظة الراهنة تستدعي شجاعة تاريخية تعترف بالأخطاء، وتتواضع للمصالح العليا للوطن، وتبادر إلى تقديم التنازلات المتبادلة بين أبناء الوطن الواحد قبل أن تفرض عليهم من خارجه. الكرة الآن في الملعب السوداني، والتاريخ لا يرحم المترددين ولا ينتظر الغافلين. فإما أن نكتب فصل السلام بأيدينا، ووفق شروطنا، وبما يحفظ كرامتنا وهويتنا، وإما أن يكتب لنا الآخرون فصلاً جديداً من فصول التبعية. والخيار خيارنا، والمصير مصيرنا.




