
▪️ عام كامل يمر على رحيل السفير عبد الله حمد الأزرق؛ هذا الغياب المرّ ترك خلفه فراغاً كبيراً في ساحات الدبلوماسية والفكر والعمل الوطني، وفاجأنا رحيله بمدينة القاهرة، في السابع من يوليو للعام الماضي، ليمثل صدمة موجعة لكل من عرفه وعايش نقاء سريرته وعطاءه الممتد لسنوات طويلة من البذل، ورثائي هذا، وإن بدا متأخراً، إلا أنه نبض إخاء صادق ووفاء لرجل صاغ من حياته منارات تسترشد بها الأجيال.
▪️ تعود معرفتي اللصيقة بالراحل العزيز إلى العام 2011، وقت توليه منصب وكيل وزارة الخارجية، وهي الفترة التي ظهرت فيها حنكته الإدارية والدبلوماسية في إدارة الملفات الحساسة، حيث كان -رحمه الله- يحرص بكرم وافر وأريحية سودانية خالصة على دعوتي الشخصية لحضور لقاءاته التنويرية الراتبة، التي كان يعقدها بين الحين والآخر مع كتاب وإعلاميين، لتشريح الراهن السياسي وتمليك الحقائق للصحافة بصوت مهني رصين، اتسم بالوضوح والشجاعة في مواجهة أعقد التحديات التي كانت تمر بها البلاد.
▪️ توطدت علاقتي الإنسانية به سريعاً، وكان يبهرني دوماً بإبداعاته المتنوعة التي جمعت بين حنكة الدبلوماسي المتمرس وملكة الأديب والشاعر المطبوع، وهذه الثنائية بين السياسة والأدب كانت تشدني إليه أكثر، فترى فيه المسؤول الصارم الحاسم في مواقفه الرسمية، وفي ذات الوقت تجد الشاعر الرقيق الذي يحمل هموم وطنه وأشجان شعبه بين ضلوعه، متنقلاً في حديثه بين أروقة السياسة الدولية ودهاليز الفكر الإنساني بمنتهى السلاسة والعمق المعرفي.
▪️ ينتمي الراحل إلى أسرة المجاذيب العريقة، الذين هاجروا من الدامر إلى القضارف منذ زمن بعيد، وهي شجرة فكر وثقافة نبت في ظلالها عمه البروفيسور الراحل عبد الله الطيب، ومن هذا النبع الثقافي ورث السفير الأزرق فصاحة اللسان وجزالة العبارة والقدرة الإبداعية الفائقة، فكان مدافعاً جسوراً عن قضايا بلاده في كل المحافل، مستنداً إلى جذور راسخة في أحياء أم درمان العريقة مثل حي “الرباطاب” الذي شهد ملامح من نشأته وتكوينه.
▪️ تنقل الراحل بين محطات خارجية بالغة الأهمية والحساسية خلال مسيرته الطويلة، فترك بصمته الواضحة في سفارات السودان بواشنطن، وبكين، وباريس، والرباط، ونيروبي، والرياض، كما مثل بلاده بكفاءة واقتدار سفيراً لدى المملكة المتحدة وآيرلندا، معلياً كلمة الوطن في أصعب الظروف السياسية، وعمل ناطقاً رسمياً باسم وزارة الخارجية، وعُرف بحديثه القوي والمنظم الذي لا يحتمل التأويل أو المواقف الرمادية.
▪️ وفي جانب الخفاء الإبداعي والفكري, أثرى الراحل المكتبة بكتب قيمة ناقشت قضايا فكرية معقدة، حيث تناول ظاهرة التطرف الديني في كتابه عن تنظيم داعش والمعنون بـ “إدارة التوحش”، كما أصدر مؤلفاً سياسياً ضخماً من أربعة أجزاء تحت عنوان “حصاد الشيوعية”، والذي صاغه ونشره باسم حركي مستعار هو “د. ياسر أبشر عبد المجيد”، مما يعكس عمق قراءته للمشهد وقدرته على التحليل من منظور استراتيجي وثقافي واسع.
▪️ ولم يغب الشعر عن تفاصيل حياته؛ وتظل قصيدته الفصحى في وصف وزيرة خارجية موريتانيا السابقة “الناها بنت مكناس” شاهداً على حضور بديهته الأدبية والدبلوماسية، والتي يقول فيها:
حيّ الميامين من شنقيط والناها
قم حيّها بحبور حين تلقاها
واحضن بها عبق التاريخ تحمله
من أرض شنقيط فيّاضا وموّاها
وانثر لها الورد في الخرطوم إن لها
ربعا وأهلا هنا تاقوا للقياها
▪️ عاش حياته الأسرية في استقرار تام، حيث اقترن بالإعلامية والسفيرة القديرة مها فريجون، التي شاركته هموم المهنة والوطن، ورزقه الله منها بابنه أحمد، وابنتيه عزة وسارة، فكان لهم نعم الأب والموجه والمعلم، وغرس فيهم قيم النبل، وقد تميزت حياته الخاصة بذات الهدوء والوقار الذي لازم مسيرته المهنية العامة، مما جعله شخصية متكاملة يحظى باحترام وتقدير كل من التقى به في دروب الحياة الرسمية والشخصية.
▪️ فقد السفير عبد الله الأزرق ليس فقداً خاصاً لأسرته الممتدة ومحبيه داخل وخارج السودان فحسب، بل هو ثلمة كبرى ورزء جلل في جدار الوطن الذي يحتاج اليوم لأمثاله من الحكماء والخلص، الذين يجمعون بين المعرفة العميقة والوطنية الصادقة والقدرة على العطاء بلا حدود، فقد كان رمزاً للدبلوماسية التي لا تساوم على الثوابت، ورجلاً ترك خلفه إرثاً غنياً من المواقف المشرفة والإنتاج الفكري والأدبي.
▪️ نسأل الله العلي القدير، في هذه الأيام التي تحمل ذكرى غيابه، أن يتغمده بواسع رحمته وفيض غفرانه، وأن يسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، وأن يجعل ما قدمه لوطنه من علم وعطاء ودفاع في ميزان حسناته، وأن يلهم آله وذويه وزملائه في السلك الدبلوماسي وعارف فضله الصبر وحسن العزاء، وستظل سيرته الحافلة بالبذل حية في الذاكرة، وإنا لله وإنا إليه راجعون.



