مقالات

د/ محمد زيدان خفاجي يكتب :هندسة التراجع: ماذا تعني تسوية مضيق هرمز لخيارات الهيمنة الأمريكية؟ قراءة تحليلية نقدية في تداعيات اتفاق الـ 60 يوماً على توازن القوة ومستقبل الأمن الإقليمي

من أوهام الحسم إلى دبلوماسية “إدارة الانكشاف”:
تأتي التسوية المؤقتة المرتقبة بشأن مضيق هرمز كتحول إستراتيجي لافت يعكس مدى الانحسار في خيارات القوة الصلبة؛ فالانتقال من منطق التلويح بالحصار الشامل والضربات الواسعة إلى البحث في تفاصيل مسارات الملاحة وإزالة الألغام عبر وساطة مسقط، يكشف بوضوح أن واشنطن لم تعد قادرة على فرض شروطها الاستئصالية. هذا التحول لا يفسر كخيار دبلوماسي طوعي، بل كاستجابة قسرية لواقع الميدان الذي أثبت أن كلفة الاستمرار في مواجهة مفتوحة تفوق قدرة البنتاغون على الاحتمال، لتتحول السياسة الأمريكية من محاولة فرض “الاحتواء المطلق” إلى محاولة يائسة “لإدارة الانكشاف” وحفظ ماء الوجه أمام شركاء يراقبون تآكل المظلة الأمنية بصمت قلق.

سقوط أسطورة الممر الواحد وانكسار الوصاية:
إن تخصيص مسارات شمالية عبر المياه الإيرانية وجنوبية عبر مياه عمان، وصولاً إلى الترتيبات المعقدة للممر الأوسط، يمثل نسفاً كاملاً لمرتكزات السياسة البحرية الغربية التي طالما اعتبرت أمن الممرات الكونية حقاً حصرياً للترسانات الأطلسية. فالتفاوض الضمني على قواعد تفكيك الأزمة يكرس مبدأ الشراكة الإقليمية الإجبارية، ويؤكد أن طهران، بصلابة إرادتها الميدانية واستراتيجيتها في إدارة الضغط، قد نزعت من أيدي القوى الكبرى ورقة السيطرة المطلقة على شريان الطاقة العالمي، مانعةً إياها من استخدام الجغرافيا البحرية كأداة ضغط سياسي دون أثمان باهظة.

مأزق البنيان الأمني الإقليمي والبحث عن البدائل:
هذا الاهتزاز في بنية الردع الغربي يضع عواصم المنطقة أمام استحقاق وجودي خطير؛ فالتجربة الأخيرة أثبتت أن التعويل المطلق على المظلات الأمنية المستوردة يشكل مجازفة كبرى بمقدرات الدول ومستقبل استقرارها. وحين تجد القوى الكبرى نفسها عاجزة لوجستياً عن حماية طرق الإمداد الخاصة بها بالسرعة والكفاءة المطلوبة، يصبح لزاماً على الإقليم إعادة هندسة مقاربته الأمنية بمنطق اعتمادي ذاتي، بعيداً عن أوهام الحماية الأبدية التي تتبخر عند أول محك حقيقي للاستنزاف.

خاتمة تحليلية:
في نهاية المطاف، لا يمكن النظر إلى ترتيبات الستين يّوماً في مضيق هرمز باعتبارها مجرد تهدئة عابرة، بل هي علامة فارقة على أفول مرحلة وبزوغ أخرى؛ مرحلة تتشكل فيها خرائط النفوذ بصلابة الإرادات الوطنية وبدماء الجغرافيا، ليبقى السؤال المعلق أمام عواصم الهيمنة: كيف ستتدبر واشنطن أمرها في شرق أوسط بات يمتلك شجاعة فرض شروطه وإعادة كتابة قواعد اللعبة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى