
حين تُفرض على الدولة لحظة تاريخية استثنائية، لا يعود النجاح مقاساً بكمية القرارات، بل بدقتها وقدرتها على إعادة توجيه البوصلة نحو ما تبقّى من فرص للنهوض. وفي هذا السياق، جاء قرار الدكتورة *محاسن علي يعقوب*، وزيرة الصناعة والتجارة، بإيقاف استيراد السلع غير الضرورية، ليُشكّل نقطة تحول في الخطاب الاقتصادي الرسمي السوداني.
لم يكن القرار مجرد إجراء إداري روتيني لضبط الميزان التجاري. بل كان إعلاناً سياسياً واقتصادياً واضحاً بأن زمن الاستهلاك غير المُنتج قد ولّى، وأن الأولوية الآن للمنتج الوطني، للعامل السوداني، وللمصنع الذي يقف على أرضٍ صلبة رغم وطأة الحرب.
*انحياز واضح للصناعة الوطنية*
تدرك الدكتورة محاسن أن حماية الصناعة الوطنية لا تتحقق بالشعارات، بل بتهيئة بيئة تنافسية تمنح المنتج المحلي فرصة للتنفس. فإيقاف استيراد الكماليات والسلع غير الضرورية يعني فسح المجال أمام الصناعات التحويلية المحلية لسد الفجوة، سواء في قطاع الأغذية، النسيج، أو مواد البناء.
هذا الانحياز ليس عداءً للتجارة الخارجية، بل إعادة تعريف لدورها. فالتجارة الحكيمة هي التي تخدم الإنتاج، لا التي تقتله. ومن هنا يمكن قراءة القرار كخطوة لتقليل الضغط على العملة الصعبة، وتوجيهها نحو مدخلات الإنتاج والآلات والمعدات التي ترفع من الطاقة التشغيلية للمصانع السودانية.
*إدارة الأزمة بعقلية الدولة المنتجة*
ما يميز هذه الخطوة أنها صدرت في توقيتٍ لا يحتمل التأجيل. فالبلاد تمر بمرحلة ما بعد الصدمة، حيث تتهاوى سلاسل التوريد، ويُصبح الاعتماد على الاستيراد مخاطرة وجودية. وعليه، فإن قرار الوزيرة يعكس فهماً عميقاً لمفهوم “أمن الإنتاج” كجزء لا يتجزأ من الأمن القومي.
القرار يضع على عاتق الوزارة مسؤولية أكبر: ليس فقط إيقاف الاستيراد، بل ضمان جاهزية المصانع المحلية، وتسهيل حصولها على التمويل، والطاقة، والمدخلات. أي أن حماية المنتج الوطني يجب أن تُقابل بخطة تمكين موازية، حتى لا يتحول الإجراء إلى ندرة وتضخم.
*بين السياسة والاقتصاد.. رسالة للمواطن*
في جوهره، يحمل القرار رسالة رمزية مهمة: الدولة تطلب من مواطنها أن يصبر على الكمالي، حتى تستعيد عافيتها. وهي رسالة لا تكتمل إلا إذا رآها المواطن مُطبّقة على الجميع دون استثناء، وشعر بأن التضحية مشتركة، وأن ما يُحفظ من عملة صعبة يعود إليه في شكل سلعة محلية بجودة مقبولة وسعر عادل.
إن نجاح هذا التوجه يتوقف على أمرين: الأول، صرامة التطبيق ومنع الثغرات التي تفرّغ القرار من مضمونه. والثاني، سرعة استجابة القطاع الصناعي عبر رفع الإنتاجية وتحسين الجودة.
ختاماً، يمكن القول إن الدكتورة محاسن علي يعقوب قد وضعت قلمها على جرحٍ مزمن في الاقتصاد السوداني. فالسؤال لم يعد “ماذا نستورد؟” بل “ماذا نستطيع أن نصنع هنا؟”. والإجابة على هذا السؤال هي التي ستحدد ملامح السودان الاقتصادي في المرحلة القادمة.




