الاقتصادية

معاوية السقا يكتب_ محاسن علي يعقوب: كيف إعادت التوازن لصناعة أنهكتها الحرب

حين تولت محاسن علي يعقوب حقيبة وزارة الصناعة في ظروف استثنائية، لم يكن الملف الملقى على مكتبها مجرد أرقام ومصانع متوقفة. كان ملفاً لقطاع يمثل عصب السيادة الاقتصادية، انهارت بنيته التحتية بفعل الحرب، وتراجعت ثقة المستثمر والمستهلك معاً في المنتج الوطني.

ما لفت الانتباه خلال فترة توليها الوزارة ليس الخطاب الإنشائي، بل المحاولة الواضحة لإعادة ربط الصناعة بمعادلة الواقع: كيف نُبقي المصانع تعمل، ونحمي ما تبقى من سلاسل الإمداد، ونخلق حافزاً للعودة إلى الإنتاج؟

1. إبقاء عجلة الإنتاج دائرة في مناطق التماس
الخطوة الأولى كانت إدارية أكثر منها إنشائية. ركزت الوزارة على حصر المصانع العاملة خارج نطاق الاشتباك، وتسهيل وصولها إلى مدخلات الإنتاج والطاقة البديلة. لم يكن الهدف التوسع، بل الصمود.
بهذه السياسة تحولت رسالة الوزارة من “الانطلاق” إلى “الصمود الذكي”، وهي رسالة أكثر واقعية في ظل اقتصاد يعمل على مولدات وأسواق مفتوحة على التقلب.

2. إعادة الاعتبار للصناعات الصغيرة والمتوسطة
أدركت محاسن أن التعافي لن يبدأ من المصانع العملاقة التي دمرت بنيتها، بل من الورش والمصانع الصغيرة التي يمكن أن تعود بسرعة.
لهذا ركزت مبادرات الوزارة على تسهيل تمويل هذه الشريحة، وربطها ببرامج الشراء الحكومي. الفكرة بسيطة: الدولة أكبر مستهلك، وإذا وجهت طلبها للمنتج المحلي ولو بنسبة محدودة، فإنها تخلق سوقاً أولياً يحمي المصنع من الانهيار.

3. إعادة ضبط الخطاب العام حول المنتج الوطني
على المستوى الإعلامي، كان لمحاسن دور في نقل النقاش من دائرة “المنتج المحلي أقل جودة” إلى دائرة “القيمة مقابل السعر والأثر الاقتصادي”.
هذا التحول في الخطاب مهم لأنه يغير سلوك المستهلك دون وصاية. بدلاً من المطالبة بالمقاطعة الأخلاقية للمنتج المستورد، طُرح السؤال الاقتصادي المباشر: لماذا نستورد ما يمكننا إنتاجه هنا بكلفة أقل وعمالة سودانية؟

4. ربط الصناعة بالسيادة الاقتصادية
ربما كان أهم ما قدمته فترة الوزارة هو إعادة ربط ملف الصناعة بملف الأمن القومي. ففي بياناتها وحواراتها، لم تعالج محاسن الصناعة كملف فني معزول، بل كجزء من قدرة الدولة على الصمود في وجه الصدمات الخارجية.
هذه الصياغة أعادت للملف أولويته، ورفعته من مستوى الوزارات الخدمية إلى مستوى الملفات الاستراتيجية.

الخلاصة
لم تُعلن محاسن علي يعقوب عن “معجزة صناعية”، لأن الظرف لا يسمح. ما فعلته هو إدارة أزمة بوعي، ومحاولة بناء جسر بين ما تبقى من قدرات إنتاجية وبين احتياجات السوق والمستهلك.
في لحظة يغيب فيها الاستثمار الكبير، فإن الحفاظ على ما هو قائم، وإعادة الثقة في المنتج المحلي، قد تكون الإنجاز الأصعب والأكثر استدامة.

والسؤال المفتوح اليوم: هل ستجد هذه السياسات امتداداً مؤسسياً يحميها بعد زوال الظرف الطارئ، أم ستظل مجرد استجابة وقتية لأزمة استثنائية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى