
في زمنٍ تعوّدنا فيه على الخطاب الرسمي الفضفاض، يأتي اجتماع وزير المالية بولاية الجزيرة الأستاذ عاطف محمد إبراهيم أبو شوك مع مفوضية الاستثمار ليكسر القاعدة. هنا ليس مجرد “اجتماع للاستهلاك”، بل إعلان نوايا مصحوب بأدوات تنفيذ، ورؤية لا تكتفي بالتشخيص بل تمضي إلى العلاج.
أبو شوك لم يأتِ إلى قاعة الاجتماع ليوزع الوعود، بل جاء مسلحاً بتقرير أداء النصف الأول من 2026. “الأداء المؤسسي” الذي أشاد به ليس شعاراً أجوف، بل توصيف دقيق لمرحلة بدأت فيها مفوضية الاستثمار بقيادة الأستاذ أمير يحي تتحول من مكتب لاستلام الأوراق إلى مصنع للفرص. إن الإشادة بالنتائج في هذا التوقيت بالذات لها ما بعدها. فهي تمنح العاملين في المفوضية دفعة معنوية، وتبعث برسالة طمأنة للمستثمر المتردد: “هنا حكومة تعرف ماذا تريد، وتكافئ من يعمل”.
وزير المالية يدرك أكثر من غيره أن خزينة الولاية لن تُملأ بالجبايات وحدها. التعافي الحقيقي يبدأ حين تدور عجلة مصنع في المناقل، ويعود الهدير إلى مطاحن مدني، وتُفتح وظيفة لشاب في الحصاحيصا تغنيه عن قوارب الموت. لذلك كان حديثه عن “توسيع المواعين الإيرادية” و”خلق فرص العمل” و”التنمية المستدامة” حديث العارف بمواطن الوجع. فالجزيرة التي كانت سلة غذاء السودان، تملك كل المقومات لتعود إلى مكانها الطبيعي.. فقط إن وجدت من يمسك بزمام المبادرة ولا يخشى القرار.
نراهن على أبو شوك لثلاثة أسباب: وضوح البوصلة، فالرجل لم يتحدث عن “خطط مستقبلية” مبهمة، بل ربط الدعم بـ”مؤشرات أداء” و”نتائج متحققة”. هذه لغة المشاريع لا لغة السياسة. ثم فهمه للدور، فأبو شوك يعي أن وزارة المالية ليست خزنة حديدية، بل محرك للاقتصاد. ودعم الاستثمار هو استثمار في الإيرادات نفسها. وثالثاً الرهان على المؤسسات، فإشادته بالمفوضية تعني إيمانه بالعمل المؤسسي لا بالحلول الفردية. وهذا هو الفرق بين إدارة الأزمة وإدارة الدولة.
لا أحد يزعم أن “تبسيط الإجراءات” و”تذليل العقبات” سيتحقق بجرة قلم. الطريق وعر، والموروث ثقيل، وتحديات الكهرباء والتمويل والأمن لا تزال قائمة. لكن الفارق اليوم أن على رأس المالية رجلاً قرر أن يبدأ، وأن يضع قدم الجزيرة على أول الطريق الصحيح. مهمة المفوضية الآن أن تترجم هذا الدعم السياسي إلى توقيع يُنجز في يوم، وترخيص يصدر بلا ابتزاز، ومستثمر يخرج من مدني ليقول: “الأمر اختلف”.
حين تلتقي إرادة وزير المالية بكفاءة المفوضية، يصبح التعافي ممكناً. أبو شوك اختار أن يكتب اسمه في خانة البناة.. لا في قوائم الانتظار. والجزيرة تستحق هذا الرهان.



