
حين تُمسك الكفاءة بزمام القرار، تنهض المصانع من سباتها. في زمنٍ اختلطت فيه الأصوات، وعلا فيه صخب الشعارات على صوت الإنجاز، برزت أسماء قليلة آثرت أن تتحدث بلغة الأرقام والمشاريع لا بلغة الخطابة. ومن بين هذه الأسماء، تلمع تجربة السيدة محاسن علي يعقوب، التي حملت على عاتقها ملفاً شائكاً لطالما اعتُبر مقبرة للطموحات: ملف الصناعة السودانية.
لم تكن محاسن علي يعقوب دخيلة على الميدان، فقد جاءت من رحم التخصص بفكرٍ تكنوقراطي لا يعرف المجاملة ولا يلتفت للمحاصصة. إيمانها كان واضحاً منذ اليوم الأول بأن الصناعة لا تُدار بالعاطفة، بل تُدار بدراسة الجدوى، بسلاسل الإمداد، وبإزالة المعوقات البيروقراطية التي تخنق المستثمر قبل أن يبدأ.
استلمت الملف في مرحلة كانت فيها المصانع متوقفة، والعمالة مشردة، والواردات تستنزف العملة الصعبة في أبسط السلع. التحدي لم يكن مالياً فحسب، بل كان تحدي ثقة. كيف تُقنع صاحب مصنعٍ أُغلق بفعل الرسوم والجبايات المتعددة أن يعود للإنتاج؟ وكيف تُعيد للمستثمر الأجنبي شعوره بالأمان في بيئة متقلبة؟ كان الجواب عندها عملياً لا إنشائياً، فبدأت بإزالة ما أسمته “الاحتكاكات الإدارية”، أي تلك النقاط التي يضيع فيها المستثمر بين مكاتب لا يعلم أولها من آخرها. وحدة النافذة الواحدة لم تكن شعاراً، بل آلية ربطت الجمارك، الضرائب، والمواصفات في مسار واحد زمنه محسوب.
ما يُحسب لها أنها لم تكتفِ بضبط السياسات على الورق، بل نزلت إلى الميدان. زارت المناطق الصناعية في الخرطوم، مدني، وعطبرة، واستمعت لصاحب المغلق الصغير قبل صاحب المصنع الكبير. خرجت بقائمة معوقات لا تتجاوز الصفحة، لكن حلها أعاد تشغيل عشرات المصانع. أُعيد النظر في هيكلة الرسوم على مدخلات الإنتاج، ومُنحت أولوية للنقد الأجنبي لاستيراد قطع الغيار والمواد الخام التي لا بديل محلي لها. والأهم، أُعيد فتح قنوات الحوار بين اتحاد أصحاب العمل ووزارة الصناعة، فعادت لغة الشراكة لتحل محل لغة التوجس.
اليوم، وبالحديث عن مؤشرات قابلة للقياس، بدأت بعض خطوط إنتاج الزيوت، السكر، والأدوية في العودة للعمل بطاقتها المعتادة. لم تَعُد الصناعة هي المحرك الأول للاقتصاد بعد، لكنها توقفت عن كونها عبئاً، وهذا وحده إنجاز في ظرفٍ استثنائي. محاسن علي يعقوب لم تأتِ لتصنع مجداً شخصياً، فالتكنوقراط الحقي لا يبحث عن الأضواء، بل يبحث عن أن يعمل النظام بسلاسة حتى إذا غادر هو، ظل النظام قائماً. لذلك لا تجد لها تصريحات نارية، ولا ظهوراً إعلامياً مكثفاً، بل تجد قراراً إدارياً يخفض تكلفة طن الحديد، وخطاباً لمحافظ بنك مركزي يسهّل تحويلاً بنكياً لمصنع أدوية.
تجربتها تطرح سؤالاً جوهرياً: ماذا لو أُعطي كل ملف لأهله؟ ماذا لو أُبعدت السياسة عن إدارة الميناء، والمصنع، والبنك؟ الإجابة بدأت تظهر على أرض الواقع، فالعافية التي عادت إلى بعض مصانعنا لم تأتِ بمنحة، ولا بقرضٍ خارجي، بل جاءت بقرارٍ صحيح في وقته، اتخذه شخصٌ يعرف ماذا يفعل. في النهاية، الصناعة لا تُحيها الخطب، يُحيها مهندسٌ يعرف قيمة الدقيقة الضائعة على خط الإنتاج، ومسؤولٌ يفهم أن كل يوم تأخير هو خسارة لا تُعوّض. وهذا ما فعلته محاسن علي يعقوب.




