مقالات

معاوية السقا يكتب مستشفى ود مدني التعليمي: حين عادت غرف العمليات إلى الحياة.. فعاد الأمل إلى أجساد المرضى

للأمكنة ذاكرة، وللجدران أنين. وغرف العمليات في مستشفى ود مدني التعليمي، تلك القاعات البيضاء التي شهدت آلاف الصرخات الأولى للحياة، وآلاف الآهات الأخيرة للوجع، عرفت صمتاً ثقيلاً لم تألفه. صمتٌ فرضته الحرب، فتوقفت المباضع، وسكنت أجهزة التخدير، وانطفأ بريق الكشافات. لكن الأمس غير اليوم. فمن رحم ذلك الصمت، انبثق نبضٌ جديد. عادت العمليات، وعادت معها الحياة تسري في شرايين المدينة المكلومة.

*1. المشهد قبل العودة: وجعٌ مضاعف*
كان توقف غرف العمليات في مستشفى ود مدني بمثابة قطع لشريان الولاية الرئيس. فالمستشفى ليس مجرد مرفق، بل هو المرجعية الأولى لأكثر من خمسة ملايين نسمة في ولاية الجزيرة والولايات المجاورة. يوم توقفت، تضاعف وجع الناس. مريض الزائدة الدودية صار يقطع مئات الكيلومترات بحثاً عن جراح، ومصاب الحادث يُسعف في عنابر بلا تجهيز، والمرأة التي تتعسر ولادتها، صارت تواجه الموت على أعتاب مستشفى بلا جراحة.

الأطباء يتذكرون تلك الأيام بمرارة. يقول أحدهم: “كنا نقف عاجزين. نرى المريض يموت بين أيدينا لا لخطورة مرضه، بل لانعدام غرفة عمليات. ذلك هو العجز في أبشع صوره”.

*2. ملحمة العودة: إرادةٌ سبقت الإمكانات*
لم تكن عودة العمليات منحة، بل كانت انتزاعاً. بدأت بفكرة مجنونة في عقول قليلة: “لن ننتظر الكمال، سنبدأ بما نملك”. اجتمعت إدارة المستشفى، وكوادر التخدير والتمريض، وفنيو الهندسة الطبية، ووزارة الصحة. رُفعت شعار: “غرفة واحدة تنقذ حياة”.

شُدت الهمم، وجُمعت الخردة، وصين ما يمكن صيانته. مولد كهربائي أُعيد للحياة، جهاز تعقيم عاد للدوران، وكشاف جراحي استُبدلت لمبته من مستشفى آخر. تبرع الخيّرون، وسهر المهندسون، وتطوع الاستشاريون. وبعد أسابيع من العمل الدؤوب، أضاءت الكشافات من جديد. كانت العملية الأولى “زائدة دودية” لطفل في الثانية عشرة. يقول الجراح الذي أجراها: “حين أغلقتُ الجرح، شعرت أنني أغلقتُ جرح مدينة كاملة”.

*3. اليوم: ثماني غرف تنبض من جديد*
المشهد اليوم يبعث على الفخر والطمأنينة. ثماني غرف عمليات كبرى وصغرى عادت للعمل بطاقة تشغيلية تصل إلى 75%. أُعيد تأهيل نظام التعقيم المركزي، ودخلت الخدمة أجهزة تخدير حديثة، وعاد جهاز المناظير الجراحية ليجعل من جراحات المرارة والزائدة عمليات يوم واحد.

جدول العمليات اليومي يمتلئ بأسماء المرضى: استئصال مرارة، عملية فتق، كسور معقدة، عمليات قيصرية طارئة، جراحات أورام. لم يعد مريض الجزيرة رهيناً للترحيل إلى بورتسودان أو شندي. صار الشفاء على بعد أمتار من عنبره.

والأهم من الحجر، عاد البشر. عاد الاستشاريون الذين نزحوا، وعاد نواب الاختصاصيون، وعاد طلبة الطب ليتلقوا تدريبهم في المسارح التي كادت تُهجر. يقول المدير الطبي: “عودة العمليات أعادت الروح للمستشفى كله. فالمستشفى بلا جراحة، جسد بلا قلب”.

*4. ما وراء المبضع: معنى العودة*
عودة العمليات في مستشفى ود مدني ليست خبراً طبياً فحسب، بل هي شهادة ميلاد جديدة للمدينة. هي إعلان أن مؤسسات الدولة باقية، وأن يد الخراب لم تكن أقوى من يد التعمير.

هي رسالة للمواطن أن دولته لم تتخل عنه. وهي رسالة للطبيب أن مكانه في غرفة العمليات لا في مقاعد الانتظار بالمنافي. وهي رسالة للعالم أن السودان، رغم الجراح، قادر على أن يداوي نفسه بنفسه.

لقد تحول المستشفى من “مستشفى إحالة” إلى “مستشفى إيواء” خلال الحرب، يستقبل النازحين ويضمد جراحهم. واليوم، بعودة العمليات، عاد إلى دوره الأصيل: “مستشفى شفاء” يصنع الحياة ويهزم الموت.

*خاتمة: ضوءٌ في آخر النفق*
في زمن الحرب، تصبح غرفة العمليات المضيئة أكثر قداسة من أي مكان. إنها المكان الذي يُهزم فيه الموت مرتين: مرة بمبضع الجراح، ومرة بإرادة الصامدين.

مستشفى ود مدني التعليمي، بعودة عملياته، لا يقدم خدمة طبية فقط. إنه يقدم جرعة مكثفة من الأمل، ويبرهن أن التعافي يبدأ من هنا، من غرفة باردة، بيضاء، لكنها دافئة بالإنسانية.

وطالما بقيت كشافات هذه الغرف مضاءة، فإن ليل الجزيرة لن يطول، وفجر العافية آتٍ لا محالة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى