
يهربُ الإنسانُ من جحيمِ القصفِ بحثاً عن حياةٍ وحرية، لا عن سجنٍ جديدٍ ينتظره. لكنَّ هذا الشعبَ المكسورَ المقهورَ اليومَ يدفعُ ثمنَ هروبهِ مرتين: مرةً حينَ تركَ وطنَهُ تحتَ النار، ومرةً حينَ وجدَ نفسَهُ مطارداً في شوارعِ مصرَ وليبيا، كأنَّهُ مجرمٌ هاربٌ لا ضحيةُ حرب.
اعتقالاتٌ من الطرقات، ومداهماتٌ للبيوت، وأسرٌ تُسحبُ من نومِها، وأطفالٌ يرتجفونَ في نقاطِ التفتيش. والسوشيال ميديا في هذهِ الدولِ تحوَّلتْ إلى حلبةِ عنصريةٍ مفتوحة: شتائمُ، وسخريةٌ، وتنكيلٌ، وصورٌ مهينة، وكأنَّ كرامةَ السودانيِّ صارتْ مادةً للترفيه.
دعونا نتفقْ من البداية: الترحيلُ حقٌّ سياديٌّ للدولةِ التي لا تريدُ اللاجئينَ على أرضِها. من حقِّها أن تُغلقَ حدودَها وتعيدَ الناسَ من حيثُ أتوا، هذا شأنُها ولا أحدَ يستجدي إقامةً على حسابِ الكرامة. لكنْ أن تتحولَ عمليةُ الإرجاعِ إلى إذلال، وأن تتحولَ زنازينُ الترحيلِ إلى غرفِ تعذيب، وأن تتحولَ حملاتُ المداهماتِ إلى صيدٍ بشري… فهذهِ ليستْ سيادة، هذهِ وحشيةٌ وهمجية.
من هربَ من الموتِ في الخرطومِ والجنينةِ ونيالا لم يخرجْ بحثاً عن ذلٍّ جديد. لم يخرجْ لينامَ على أرضٍ باردةٍ في قسمِ شرطة، ولم يخرجْ ليسمعَ كلمةَ “يا لاجئ” كأنَّها شتيمةٌ تشبهُ اللعنة. من يختبئُ ويغيّرُ مسكنَهُ كلَّ يومٍ لا يفعلُ ذلكَ عناداً ولا رفضاً للعودة، بل خوفاً من زنازينَ لا تعرفُ الرحمة، وسجونٍ يُعاملُ فيها الإنسانُ كرقمٍ في دفترِ ترحيل.
*نطالب بحق
لن نعدِّدَ المكارمَ القديمةَ ولن نقولَ كنا لكم سنداً يومَ احتجتم، فالتاريخُ لا يُطعمُ خبزاً والزمنُ غيرُ الزمن. ولن نمدَّ أيادينا، فالشعوبُ لا تعيشُ على الدموع. لكنَّنا نطالبُ بحقٍّ بسيطٍ لا يحتاجُ إلى فلسفةٍ ولا إلى ميزانياتٍ ضخمة: نطالبُ حكومتَنا وسفاراتِنا في هذهِ الدولِ تحديداً أن تتحرك، أن تدافع، أن تقفَ أمامَ أيِّ سودانيٍّ يُسحبُ للاعتقال.
لا نريدُ مسرحَ عودةٍ طوعيةٍ وكاميراتٍ تصوّرُ ابتساماتٍ مكسورة، ولا نريدُ بياناتِ شكرٍ للبلدِ المضيفِ على كرمٍ لا نراه. نريدُ حمايةً فقط: حمايةً لمواطنٍ يُهانُ على الحدود، وحمايةً لامرأةٍ تُفتَّشُ في الشارع، وحمايةً لشابٍّ يُرمى مع المجرمينَ في زنزانةٍ ضيقة.
ثم جاءت الطعنة من الظهر. بتاريخ 6 يونيو 2026 أعلنَ وزيرُ الداخليةِ الليبي عماد مصطفى الطرابلسي أنَّ ترحيلَ السودانيينَ تمَّ بطلبٍ رسميٍّ من البعثةِ السودانية.
نحنُ نستنجدُ بالسفارةِ فتحيلُنا إلى الزنازين.
نحنُ نهربُ من الموتِ فتسلّمُنا حكومتُنا للذل.
أيُّ خيانةٍ هذه؟ نحنُ ضحايا حربٍ لا مجرمينَ هاربين. فمتى صارتِ السفارةُ مكتبَ ترحيل؟
مصيبةُ الحربِ في الوطن، ومصيبةُ الخيانةِ في الغربة.
كفانا ذلاً. كفانا. صرنا ملطشةً لمن هبَّ ودب. صارَ جوازُنا تهمةً، وصرنا نعتذرُ عن سودانيتِنا قبلَ أن ننطقَ اسمَ وطنِنا. هذا وضعٌ مخزٍ لا يليقُ بشعبٍ قدَّمَ الدمَ قبلَ اللقمة، ولا يمكنُ السكوتُ عليهِ تحتَ أيِّ مبرر.
إمَّا أن تتحولَ سفاراتُنا إلى درعٍ يحمي هذا المكسور، وإمَّا أن تصمتَ للأبد، فالصمتُ صارَ جريمةً والسكوتُ صارَ تواطؤاً. اللاجئُ الذي فرَّ من القصفِ لا يستحقُّ أن يُدفنَ كلَّ يومٍ تحتَ حذاءِ الغربة. كرامةُ السودانيِّ ليستْ للمساومة، ومن لا يقدّرُها فليتنحَّ، لأنَّنا تعبنا من البكاءِ في أرضٍ لا تسمع، وتعبنا من الإهانةِ في أرضٍ لا ترحم.




