مقالات

معاوية السقا يكتب… عابد سيد أحمد.. حين يعود الحرف إلى الساحة

في الخرطوم مدنٌ داخل المدينة، والساحة الخضراء مدينةٌ وحدها. لم تكن يوماً مجرد نجيل ومقاعد، كانت رئة العاصمة، ملتقاها، مسرحها، ملعبها، ومكاناً كانت الأسر تذهب إليه لتصدق أن الخرطوم لا تزال بخير. حين توقفت الساحة مع الحرب، توقف نبضٌ من نبضات المدينة.

لذلك حين أصدر والي الخرطوم الأستاذ أحمد عثمان حمزة قراراً بتعيين الأستاذ عابد سيد أحمد مديراً للساحة الخضراء، قال الناس كلمة واحدة: القرار في مكانه تماماً.

فمن هو عابد سيد أحمد؟ ولماذا هو تحديداً؟

*سيرة إعلامي لا يعرف الضفاف الضيقة*

عابد سيد أحمد ليس موظفاً عابراً جاء من كشف التنقلات، هو ابن الحرفة، ابن الكلمة والصورة والميكروفون. سيرته تشهد له قبل أن يشهد له أحد.

هو صحفي ضليع تقلد رئاسة تحرير عدد من الصحف السودانية في أزمنة كانت الصحافة فيها مهنة شاقة لا يبقى فيها إلا من يملك الفكرة والموقف والصبر. كتب، وحرر، وقاد مطابخ التحرير، وعرف كيف تُصنع الجريدة من الفكرة حتى العنوان الأخير.

وهو أول مدير لقناة الخرطوم الفضائية. والتاريخ هنا مهم. حين انطلقت قناة الخرطوم على النايل سات بتردد 11555 ضمن باقة الجزيرة، كان عابد هو الرجل الذي حمل الأمانة. لم تكن مجرد قناة، كانت حلم الخرطوم بأن ترى نفسها على الفضاء. سهر الليالي، جمع المواد التوثيقية، استعان بالكبار من أمثال الفيتوري في منزله ببحري، ووثق مع الشيخ صادق عبد الله عبد الماجد والكاروري، وصنع شاشة محترمة قال عنها معاصروه إنها تحمل جماليات وبصمات مقدرة. يكفيه فخراً أنه سُمي وقتها بـ “رجل الفضاء” – رجل فضائية الخرطوم.

وهو رجل وزارة الثقافة والإعلام بولاية الخرطوم، خبيرها الذي يعرف دهاليز الثقافة والإعلام والعمل العام. يعرف كيف تُدار الفضاءات العامة، وكيف يُصنع الحدث الثقافي، وكيف تتحول الساحة من مساحة أسمنت إلى مساحة فرح.

*لماذا الساحة الخضراء تحتاج عابد؟*

إعادة الحياة للساحة الخضراء ليست مهمة إدارية، كما كتب الزميل حسن السر، بل هي مسؤولية وطنية تتطلب وعياً بأهمية الثقافة والرياضة في ترميم النسيج الاجتماعي الذي تضرر بفعل الحرب.

الساحة اليوم تحتاج من يفهم ثلاث لغات في آن واحد:

لغة الإعلام، ليُعيد تسويقها كمنبر للخرطوم العائدة.

ولغة الثقافة، ليحولها لمنصة للمسرح والشعر والغناء والمنتديات، لا مجرد ملاعب.

ولغة الإدارة الرشيدة، ليُعيد تأهيل شبكات المياه والكهرباء والتنجيل وإزالة مخلفات الحرب كما بدأ سلفه الدكتور أزهري وداعة الله بنسبة إنجاز 60%.

وعابد سيد أحمد يملك الثلاثة. هو إعلامي محترف يعرف الكاميرا والشاشة، وهو مثقف يعرف قيمة المنبر، وهو إداري جربته الولاية في وزارة الثقافة والإعلام فكان أهلاً للثقة.

إن تعيينه ليس مجرد قرار، إنه إعلان عن بداية جديدة للخرطوم. بداية تقول إن الخرطوم تريد أن تتنفس. وأن رئتها الخضراء ستعود لتستقبل الأسر في رمضان والمناسبات، وستعود لتكون شاهداً على أن المدينة لا تموت، بل تستعيد فرحها.

الخرطوم بحاجة إلى إشراقات كهذه، والساحة الخضراء قادرة – مع رجل مثل عابد – على أن تكون رمزاً لإرادة الحياة رغم التحديات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى