
هناك لحظات في تاريخ الشعوب يكشف فيها القرار السياسي عن مأزق أخلاقي أكثر مما يكشف عن رؤية اقتصادية. قرارإعفاء التجار من جبايات ثلاث سنوات حرب هو واحدة من تلك اللحظات. ظاهره رحمة وباطنه اعتراف متأخر بأن الظلم كان هو القاعدة وأن الابتزاز كان يمارس باسم القانون.
القصة تشبه تماما حكاية الزول الوقع في البير. قعد يصرخ ثلاث سنين والدنيا حرب وخراب وفوقه ركام السوق والبيت. تجي تمد ليهو يدك تطلعو وبعد تطلعو تقول ليهو بكل فخر قررنا نعفيك من حق الحبل. يا زول هو الوقوع في البير ما كان اختياره والحبل دا انت جايبه عشان تنقذه ما عشان تبيعه ليهو. الإعفاء هنا ما مكرمة دا الحد الأدنى من الإنسانية.
المنطق يقول إن التاجر الذي أغلق متجره تحت القصف أو نهب مخزنه أمام عينيه لا يعفى من الجباية بل إن الجباية نفسها تسقط بالضرورة. الميت لا يدفع ضريبة دفن والبيت المهدم لا تطالبه البلدية برسوم نفايات. هذه بديهة لا تحتاج إلى اجتماع مجلس وزراء ولا إلى كاميرات توثق البشرى.
الحكمة الشعبية تقول ما بتداوى الجرح بالاعتذار عن الطعنة. وقرار كامل إدريس يأتي كمن يطعنك ثم يعتذر لأنه لن يطالبك بثمن السكين. الأسوأ أن يقدم هذا الاعتذار في هيئة مكرمة وتصوره الماكينات الإعلامية كفتح اقتصادي مبين.
التجارب الحديثة تعلمنا الدرس بوضوح. بعد انفجار مرفأ بيروت لم تخرج الحكومة اللبنانية لتعلن إعفاء التجار من ضرائب فترة التعطيل بل كان النقاش كله يدور حول خطة التعويض لأن العقل الاقتصادي يدرك أن التاجر المدمر لا يحتاج إلى مسح ديون لم تكن مستحقة بل يحتاج إلى رأس مال ليقف من جديد.
المفارقة السودانية أننا نحول البديهيات إلى إنجازات ونبيع للناس رفع الظلم كأنه منحة. هذه العقلية هي التي تجعل المواطن يشكر الحكومة لأنها سمحت له بالتنفس.
الدولة دورها خلق البيئة لا ابتزاز الضحية. التاجر اليوم لا يريد إعفاء من دين لم يصنعه ولا ينتظر منك مكرمة بمسح جباية كانت جريمة من الأساس. التاجر يريد كهرباء تشغل ثلاجته وأمنا يحمي بضاعته وتمويلا يعيد دورة رأس ماله وسياسة جمركية تجعل الاستيراد أرخص من التهريب.
ما لم يفهمه صانع القرار أن الشعب الذي صبر على النزوح وفقدان البيت والولد لن يصبر على الجوع. وأن التاجر الذي دفن أحلامه تحت الأنقاض لن يقتنع أن عدم مطالبته بجباية الظلم هو قمة الطموح. المعدة الخاوية لا تعرف المجاملات السياسية والجيب الفارغ لا يصفق للبديهيات.
السيادة الحقيقية ليست أن تعلن في الميكروفونات أنك لن تسرق من مات بل أن تثبت في الواقع أنك قادر على أن تحيي من بقي. والإنجاز ليس أن ترفع قدمك عن عنق السوق بقرار ثم تطالب بالتصفيق بل أن تمده بالأكسجين والقروض والكهرباء وتتركه يتنفس.
غير ذلك هو تسويق للفراغ وبيع للوهم واحتفال بإيقاف النزيف بينما المريض مازال يحتضر. وطن منهك لا يبحث عن خطب عن الإعفاء بل يبحث عن خبز. لا يريد بشرى بأنكم لن تذبحوه مرتين بل يريد ضمانة أنه سيعيش مرة واحدة بكرامة.



