
■ توقفنا في الحلقة الماضية ونحن في عين العاصفة، نشق طريقنا المثقل بالهواجس نحو مستشفى الراجحي، بحثاً عن الطبيبة كريمة علي شريف التي انقطعت أخبارها لأيام خلف جدار الصمت المفروض بانقطاع الاتصالات وخطر الميليشيا الداهم، وكنت أنا ووالدها “علي” نقف في أول ارتكاز للميليشيا والأنفاس تتلاحق.
■ رحلتنا تلك كانت عبارة عن عبور حذر فوق حقل من الألغام البشرية، حيث توزعت ارتكازات الميليشيا في مفاصل جغرافية حيوية، شملت مربع 11، ومنطقة “الصفيرة”، ثم لفة “نيفاشا” الشهيرة، وصولاً إلى لفة 51 القابعة بجوار قسم الشرطة الذي استباحه الأوباش.
■ كانت المصاعب المشتركة في كل محطة عبارة عن إذلال ممنهج، حيث يتولى أفراد من استخبارات الميليشيا التدقيق في الهويات بصلف وغرور، يفتشون في ملامح المواطن عن “تهمة” الانتماء للدولة، في مشهد يفيض بالإهانة والازدراء لكل ما هو سوداني أصيل.
■ في الحافلة التي حشرنا فيها أجسادنا المتعبة، كان بعض أفراد الميليشيا يزاحمون الركاب بأسلحتهم المشرعة وقنابلهم اليدوية المتدلية، وقد بدا عليهم الإعياء الشديد والإرهاق الذي نحت وجوههم الأغبرة، فكانت ملامحهم تعكس حالة من التيه والشتات رغم سطوة السلاح.
■ استرعى انتباهي أن هؤلاء الاوباش باتوا يخشون الموت القادم من الجدران أو السماء، فهم لا يجرؤون على النوم داخل المنازل المنهوبة، بل يفترشون الساحات والميادين الخارجية بالتناوب؛ خوفاً من القصف الجوي المركز للطيران الحربي، أو خشيةً من نواصل وسكاكين قوات العمل الخاص التي باتت خناجرها لا تخطئ رقابهم في عتمة الليل.
■ حين وصلنا إلى لفة “نيفاشا”، تجمدت الكلمات في حلقي وأنا أشاهد فصلاً من فصول التضحية والفداء؛ حيث تناثرت جثث لأبطال من القوات المسلحة استبسلوا في معارك ضارية أمام “الشركة العربية للدواجن”، فكانت دماؤهم تروي عطش الأرض للحرية.
■ هناك، كانت تقبع مجنزرة، معطوبة ومحروقة بفعل القصف، تقف كشاهد أخرس على ملحمة بطولية زاد فيها الأبطال عن حياض المنطقة ومعسكرات “النسور”،و”الكونان” وغيرهما بينما تركت الميليشيا جثث الشهداء على قوارع الطريق عمداً في مشهد يخلو من أي وازع إنساني.
■ الغريب في الأمر أن تلك الجثث الطاهرة بقيت في مكانها لأكثر من شهر كامل، منعت الميليشيا مواراتها الثرى نكاية في شجاعتهم التي أذلت كبرياء المتمردين، فكانت الأجساد المسجاة تحكي للأجيال قصة رجال لم يفروا ولم يستسلموا حتى الرمق الأخير.
■ مابين منطقة “الصفوة” وحتى مشارف مستشفى الراجحي، كانت ملامح الاستيطان القبيح والتغيير الديموغرافي القسري قد بدأت تفرض نفسها، حيث يقود “الغزاة الجدد” العربات الفارهة التي نهبوها من بيوت الشرفاء، يجوبون بها الطرقات في استعراضات مقززة.
■ تلك المناظر المرعبة لم تكن مجرد نهب للممتلكات، بل كانت تحكي عن سيناريوهات أكثر رعباً لمستقبل يريده هؤلاء الأوباش للسودان؛ مستقبل يسوده النهب وتُشرع فيه البنادق في وجوه العزل، ويصبح فيه الغريب سيداً في دار صاحب الحق المطرود.
■ دلفتُ مع “علي شريف” إلى فناء المستشفى بخطى لاهثة مهرولة، كنت أحاول جاداً أن ألحق بخطوات علي شريف التي اتسمت بنوع من الجنون العاطفي، وهو الأب الذي يبحث عن فلذة كبده وسط غابة من البنادق والدماء والصرخات التي تملأ المكان.
■ انشغالي ورفيقي ود شريف بمعرفة مصير الدكتورة في تلك اللحظات اللاهفة، حجب عني رؤية المشاهد الدموية التي كانت تطوق المستشفى إحاطة السوار بالمعصم، فكنا نتحرك في حالة من “الغيبوبة الوجدانية” التي ترفض الإدراك أو الوعي بأي خطر يحدق بنا شخصياً.
■ لم نكترث لفوهات البنادق المصوبة نحو المداخل، ولم نهتم لأفراد الميليشيا المتمردة الذين ينتشرون في كل ركن، بل ولم تسمع آذاننا صرخات جرحاهم الذين كانوا يتلوون من الألم بعدما سحقتهم ضربات الطيران وقوات العمل الخاص في تقاطع “قندهار” في ليلة ليلاء.
■ كان صراخهم وعويلهم يملأ الأفق، ونحيب بعضهم يتحول إلى هستيريا حسرة على من هلك من أقرانهم في تلك الليلة، لكننا كنا كمن أصم الله آذانهم عن كل شيء إلا صوت النداء الداخلي الذي يدفعنا نحو مكتب الإدارة لمعرفة الحقيقة المرة أو الحلوة.
■ دلفنا إلى إدارة المستشفى حيث وجدنا المدير الطبي، فعاجلناه بسؤال مشترك محموم عن مكان الطبيبة كريمة علي شريف ؛ في تلك اللحظة أوجس الدكتور في نفسه خيفة، وتراجع قليلاً وهو ينظر إلينا بشك، ربما ظناً منه أننا من أولئك الأوباش الذين يتربصون بالطواقم الطبية.
■ تداركتُ الموقف بسرعة وأبلغته بهويتنا، وأن هذا الرجل هو والدها المكلوم وأنا عمها، وقد قطعنا المسافات والمخاطر لأنها لم تعد للمنزل منذ أيام، حينها فقط تنفس المدير الصعداء وبدت ملامحه تسترخي بعد أن زال عنها شبح التوجس والرهبة.
■ طمأن المدير والدها بكلمات نزلت برداً وسلاماً على قلبه، مؤكداً أنها بخير وعافية، وحينها فقط أحسسنا بالروح تعود إلى أجسادنا بعد رحلة ذبول، وجلسنا لا إرادياً على مقعدين حديدين وكأنهما قد أُعدا خصيصاً لاستقبال بقايا جسدينا المنهكين.
■ أوضح لنا المدير أن ظروف الطوارئ الصحية الحرجة اقتضت ذهاب الدكتورة ضمن فريق طبي متخصص إلى منطقة غرب شمال أم درمان، حيث يعاني المواطنون هناك من وضع صحي كارثي، وأن انقطاع الكهرباء والاتصالات حال دون قدرتها على طمأنة أسرتها.
■ بينما كنا نجلس في المكتب، كانت أصوات النحيب والعويل المنبعثة من العنابر تخترق مسامعنا بقوة، فتحولت ببصري نحو ممرات المستشفى التي كانت تضج بالمرضى من المواطنين، ولفت نظري عنبر منعزل خصصته الميليشيا لجرحاها الذين سقطوا في معارك غرب أم درمان.
■ اقتربتُ بدافع الفضول الصحفي قليلاً من ذاك العنبر، وعبر إحدى نوافذه بدأت في التلصص على جرحى الميليشيا الذين بدوا في حالة يرثى لها، يتلوون وجعاً وبعضهم يبكي بحرقة كالنساء الثكلى، وفجأة سحبني “علي شريف” بقوة بعيداً عن النافذة، محذراً إياي من غدر الأوباش الذين قد يفتكون بنا لمجرد نظرة عابرة لا تروق لهم.
■ عند مغادرتنا الفناء الداخلي قاصدين البوابة، استوقفني مشهد عربة “هايس” تقبع في ركن قصي، وقد تهشم زجاجها تماماً وثُقبت إطاراتها الأربعة بالرصاص؛ بدت بقع الدماء الكثيفة والمخثرة على مقاعدها وكأنها تحكي فصلاً من فصول القيامة، عائدةً بشكلها الجحيمي لتقول إن الموت مرّ من هنا بكل بشاعته.
نواصل



