الاقتصادية

ام امين تكتب .. محاسن علي يعقوب.. أقوى من الاستهداف

حين تدخل امرأة قوية إلى غرفة كان يظنها البعض غرفة مظلمة للصفقات، فلا تنتظر أن يفتحوا لها الباب بالورود، بل سيرمونها بالحجارة من ذات النوافذ التي كانت تفتح لغيرها بلا حساب.

وهذا ما حدث مع محاسن علي يعقوب.

لم تأتِ محاسن إلى وزارة الصناعة والتجارة محمولة على وعود السياسة ولا على أكتاف المحاصصات، جاءت كتكنوقراط، كزولة مهنية تعرف الفرق بين فاتورة الاستيراد وفاتورة الإنتاج، بين اقتصاد يبني مصنعاً واقتصاد يبيع رخصة. جاءت وفي ذاكرتها أرقام المصانع المتوقفة في الباقير، وصوت الماكينات الصامتة في بحري، ودموع عامل فقد وظيفته لأن السوق أغرق بحاوية قادمة من وراء البحار.

محاسن لم تصرخ، لم تشتم، لم تدخل في معارك كلامية. فعلت ما يفعله المهنيون، فتحت الملفات، أغلقت الأبواب الخلفية، أعادت القلم إلى يد الموظف الشريف، وقالت كلمتها الهادئة الحاسمة: لن نستورد ما نصنعه بأيدينا.

هذه الجملة وحدها كانت كافية لتقلب عليها الطاولة.

لأن في هذا البلد من اعتاد أن يعيش على أن نستورد كل شيء، حتى ما نستطيع أن نصنعه. هناك من يبني ثروته على أن يبقى السودان سوقاً لا مصنعاً، مستهلكاً لا منتجاً، ميناءً مفتوحاً لا دولة لها سيادة على اقتصادها. فحين تأتي وزيرة وتقول كفى، فهي لا تقطع رزق تاجر فحسب، بل تقطع حبلاً سرياً لاقتصاد ريعي كامل كان يتغذى على فوضى الاستيراد.

لهذا يهاجمونها. لا يهاجمونها لأنها فشلت، بل لأنها نجحت في أن تلمس الجرح. لا يهاجمونها لأنها وزيرة ضعيفة، بل لأنها قوية بما يكفي لتقول لا. والضعفاء لا يهاجمون الضعفاء، بل يجتمعون على الأقوياء.

محاسن تكنوقراط لا تجيد لعبة المنصات ولا تملك كتائب إلكترونية، تملك لغة واحدة، لغة الأرقام والملفات. وهذا في زمن الضجيج عيبها الوحيد. فهي لا ترد على الشائعة بشائعة، ولا على التسريب بتسريب، بل ترد بعملها.

والسؤال الذي يجب أن يسأله كل سوداني ليس لماذا تستهدف محاسن، بل من المستفيد من إسقاطها؟ المستفيد هو ذات الشبكة التي تريد لوزارة الصناعة أن تعود مجرد ختم يوزع في الليل، وإعفاء يباع في النهار.

إن محاسن علي يعقوب اليوم ليست مجرد وزيرة، بل هي امتحان للدولة السودانية، هل تريد أن تحمي منتجها وعاملها ومصنعها، أم تريد أن تبقى رهينة لحاويات قادمة من الخارج؟

ولأنها اختارت طريق المصنع لا طريق الحاوية، فستبقى أقوى من أي استهداف، فالشجرة المثمرة وحدها هي التي ترجم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى