مقالات

أبو فاطمة عمار حسن يكتب :بين ثوابت العقيدة وموازين القوة: فهم الحرب على إيران

لا بدَّ في مستهلِّ أيِّ حديثٍ عن إيران أن يكون الموقفُ العقديُّ واضحًا لا لبسَ فيه.

فالمرجعيةُ الرسميةُ للنظام الإيراني تقوم على المذهب الشيعي الإمامي الاثني عشري وهو مذهبٌ يخالف عقيدةَ أهل السنة والجماعة في أصولٍ معتبرةٍ تتعلَّق بالعقيدة وموقفه من الصحابة ومصادر التلقِّي وجملةٍ من القضايا العقدية التي فصَّلها علماءُ أهل السنة في كتب الفِرَق والعقائد.

وقد قرَّر علماءُ السنة أن في أصول هذا المذهب انحرافاتٍ خطيرةً عن منهج أهل السنة في فهم النصوص والاعتقاد وأنه يقوم على بناءٍ عقديٍّ مختلفٍ في جملةٍ من أصوله الكبرى. وهذه حقيقةٌ علميةٌ مقرَّرةٌ في التراث العلمي لا ينبغي التهوينُ منها ولا المواربةُ في بيانها. فالخلافُ هنا ليس خلافًا فقهيًا جزئيًا بل هو خلافٌ في أصولٍ ومنطلقاتٍ تدور بين الكفر والإيمان.

إذن من حيث التأصيل العقدي:
موقفُ أهل السنة من الشيعة موقفٌ نقديٌّ واضح يقرِّر بطلانَ جملةٍ من أصولهم العقدية ويحذِّر من انحرافاتهم في باب الاعتقاد.

لكن وهنا بيتُ القصيد هذا البيانُ العقديُّ شيءٌ وقراءةُ الصراع السياسي والعسكري المعاصر شيءٌ آخر.
نحن نعيش في عالمٍ مترابط كما كان يقرِّر العلامة محمد ناصر الدين الألباني حين أشار إلى أن العالم أصبح كـ«قريةٍ واحدة». في هذا العالم لا تتحرَّك الدول بدوافع مذهبية خالصة بل تحكمها حساباتُ المصالح وموازينُ الردع وتوازناتُ القوة، وخريطةُ النفوذ الدولي.

ومن هنا فإن الحربَ التي تشنُّها إسرائيل مدعومةً بحليفها الاستراتيجي الولايات المتحدة الأمريكية ضدَّ إيران لا يمكن فهمُها بوصفها مواجهةً عقديةً مع مذهبٍ شيعي ولا باعتبارها حربًا دفاعًا عن «الاعتدال الديني» كما يُسوَّق في بعض الخطابات. فهذه الدول لا تنظر إلى الفروق العقدية بين أهل السنة والشيعة عند تقديرها للمواقف بل تحسب إيران ضمن العالم الإسلامي في ميزان الصراع الدولي ولا تعبأ بالخلاف المذهبي الداخلي عند رسم استراتيجياتها.

الدولُ الكبرى لا تدخل الحروب بسبب خلافٍ مذهبي بل بسبب اختلالٍ في ميزان القوة.

أولًا: جوهرُ الصراع… ميزانُ القوة لا ميزانُ العقيدة

إيران كما تقرّر بطلان الجانب العقدي لنظامه لم تَعُد دولةً هامشيةً في معادلة الإقليم. لقد تجاوزت مرحلةَ التأثير المحدود ودخلت في مشاريع قوةٍ استراتيجية وعلى رأسها المشروعُ النووي الذي يُعدُّ في عالم اليوم عنوانًا للردع وورقةَ ضغطٍ كبرى في ميزان العلاقات الدولية.

امتلاكُ القدرة النووية أو الاقترابُ منها لا يُقرأ في الحسابات الدولية باعتباره إنجازًا تقنيًا فحسب بل باعتباره تحوُّلًا في قواعد اللعبة. والقوى المهيمنة تاريخيًا لا تقبل بسهولةٍ بظهور قوةٍ إقليميةٍ قادرةٍ على تعديل ميزان الردع أو كسر الاحتكار العسكري.

وعليه فإن الحرب في جوهرها ليست لأن إيران تحمل عقيدةً باطلة بل لأنها تقترب من موقعٍ حساسٍ في معادلة القوة لا ترغب القوى الكبرى في أن تبلغه.

ثانيًا: التفريقُ بين الثابت العقدي والمتغيِّر السياسي

من الخطأ المنهجي الخلطُ بين المجالين:
المجالُ العقدي: ثابتٌ تُبنى أحكامُه على النصوص وأقوال أهل العلم ويُحكم فيه بالحق والباطل وفق ميزان الشرع.

المجالُ السياسي والعسكري: متغيِّرٌ تحكمه المصالحُ والمآلاتُ وتوازناتُ القوة ويُقرأ قراءةً استراتيجيةً لا عاطفية.

فليس كلُّ من خالفنا في العقيدة يُسلَّم إلى مشروع الهيمنة الدولية وليس كلُّ صراعٍ ضدَّ خصمٍ عقدي يُعدُّ نصرًا للحق بالضرورة.

الوعيُ السياسي الرشيد يقتضي أن ندرك أن إضعافَ دولةٍ إقليميةٍ كبيرة مهما كان موقفنا العقدي منها سيؤدي إلى إعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة وقد يُفضي إلى مزيدٍ من التفرُّد والهيمنة من قِبَل قوىٍ تتحرك وفق مصالحها الاستراتيجية الكبرى.

ثالثًا: أثرُ الحرب لا يتوقَّف عند إيران

إذا اتسعت دائرةُ الصراع فإن تداعياته لن تقتصر على إيران وحدها بل ستشمل:
أمنَ المنطقة واستقرارَها
أسواقَ الطاقة والاقتصادَ العالمي
موازينَ الردع الإقليمي
واقعَ الأقليات والمكوِّنات الإسلامية في دولٍ متعددة.

ومن السذاجة اختزالُ كلِّ هذه التعقيدات في زاويةٍ عقديةٍ فحسب.

رابعًا: الموقفُ الحق المتزن

الموقفُ الحق الرشيد في تقديري يقوم على أركانٍ ثلاثة:

وضوحٌ عقدي لا مجاملةَ فيه: بيانُ بطلان الأصول العقدية المخالفة لمنهج أهل السنة دون تردُّدٍ أو مواربة.

عدلٌ سياسي في القراءة: عدمُ تحويل الخلاف العقدي إلى عدسةٍ وحيدةٍ لفهم كلِّ حدثٍ لواقع الحروب .

نظرٌ في المآلات: تقديرُ نتائج الحرب وآثارِها بعيدةِ المدى على عموم المسلمين لا على طرفٍ واحد.

فالعالم اليوم لا يُدار بمنطق الشعارات بل بمنطق المصالح الكبرى وموازين الردع. وأيُّ قراءةٍ لا تراعي هذه الحقيقة ستظلُّ قاصرة.

خاتمة

إن الاتزان يقتضي الجمعَ بين أمرين لا يتعارضان:
الثباتَ على الموقف العقدي الواضح تجاه الشيعة الإمامية
والوعيَ بأن الصراعات الدولية لا تُخاض على أرضيةٍ مذهبية فحسب بل على أرضية القوة والهيمنة والمصالح.

وضوحُ العقيدة لا يعني السذاجة السياسية كما أن الوعي السياسي لا يعني التنازل العقدي.

وبين هذين الحدَّين يتحقق النظر الرشيد:
عقيدةٌ ثابتة وقراءةٌ استراتيجية ونظرٌ شاملٌ إلى مآلات الأحداث قبل إطلاق الأحكام عليها.

✍️ أبو فاطمة عمار حسن 💫💫
┌───────────────┐
│ الأربعاء │ 4 مارس │ 2026م │
└───────────────┘

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى