منوعات

طه سليمان في دبي.. نشوة “الهشتك بشتك” في وجه مأساة وطن

تقرير : ام امين

في لحظة يختلط فيها الدمع بالبارود، ويبحث فيها النازح عن زاوية أمان، ويتهاوى المواطن تحت رصاص المليشيا، يطل الفنان طه سليمان على مسرح دبي برقصات “الهشتك بشتك” وأجساد عارية تتراقص على إيقاع اللهو. مشهد يثير الحيرة ويبعث على الأسى، لا لأنه فن مبتذل في ذاته، بل لأن توقيته كان طعنة في خاصرة الوجع السوداني.

لطالما ارتبط الفن الأصيل بضمير أمته، فهو مرآة تعكس جراحها وآمالها. ولعل ما قدمه طه سليمان نفسه أيام اعتصامه بالخرطوم إبان اندلاع الحرب كان نموذجاً يحتذى: صوت خرج من قلب المحنة، يحمل معاناة الناس ويترجم صمودهم. فكيف لذات الصوت أن يهجر ميادين الملحمة الوطنية، ويهرول نحو منصات الترفيه الرخيص، باحثاً عن بريق عالمي زائف تُصنعه أجندات تريد اختزال السودان في صورة استعراضية مبتذلة لا تشبه أصالته ولا قيم مجتمعه المحافظ؟

إن تصدير هذا النمط الفني ليس براءة، بل مشروع ممنهج. دول تسعى إلى تفكيك بنية المجتمع السوداني من الداخل، تدرك أن أسهل الطرق هو اجتثاث ذاكرته الجمعية عبر فنانين يفرطون في انتمائهم، ويستبدلون الغناء الملحمي الذي يوقظ الهمم بـ”موسيقى تجارية” همها الأول جيوب المغني لا وجدان الوطن. وهنا تكمن المأساة: أن يتحول الفنان من حامل رسالة إلى مجرد تاجر طرب.

ما بناه طه سليمان من رصيد وجدانـي أثناء الحرب، حين كان صوته ملاذاً للمكلومين، أضاعه بسهرات القاهرة، وأجهز عليه تماماً بحفل دبي الأخير. فالفن ليس ترفاً معلقاً في الفراغ، بل مسؤولية أخلاقية. والوطن الذي منحك صوتك، ومنصتك، واسمك، يستحق منك أن تغني لجراحه قبل أن ترقص على آلامه.

ليس المطلوب من الفنان أن يحمل السلاح، لكن أقل الإيمان أن لا يبيع صوته في سوق يراد له أن يطمس هوية شعب يقاوم الإبادة. فإما أن تكون مع وطنك في محنته، أو تعلن انسحابك من معركة الوعي. أما الرقص على الحبلين، فهو خيانة صامتة لا يغفرها التاريخ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى