الاقتصادية

الجزيرة لا تنقصها الثروة… بل تنقصها الإرادة الصناعية

تقرير : معاوية السقا

في لحظة مفصلية من تاريخ السودان، يخرج رجل الأعمال بشير جموعة بطرح يبدو في ظاهره اقتصادياً، لكنه في جوهره مشروع وطني لإعادة تعريف دور ولاية الجزيرة في خارطة ما بعد الحرب.

الرجل لم يتحدث عن زراعة تقليدية استنفدت أغراضها، ولم يكرر شعارات الاكتفاء الذاتي التي ملّها الناس. تحدث بلغة الدولة: عن سلاسل قيمة، عن تصنيع تحويلي، عن تحويل الخام المحلي إلى منتج نهائي يغزو الأسواق بدل أن يُصدَّر خاماً ويُعاد استيراده بأضعاف الثمن.

ما طرحه جموعة ليس مجرد خطة خماسية، بل تشريح دقيق لعلّة الاقتصاد السوداني. نحن بلد يملك الأرض والماء والإنسان، ثم يقف عاجزاً أمام مصنع صغير. نصدّر القطن لنستورد القميص، ونزرع القمح لنستورد الرغيف. وهذه المفارقة هي التي جعلت الحرب تكشف هشاشة أمننا الغذائي والصناعي معاً.

الخطة التي قدّمها ترتكز على خمسة أركان، لو اجتمعت لقلبت معادلة الجزيرة رأساً على عقب:

*الربط الجغرافي للصناعة* عبر مدن متخصصة في الحصاحيصا والكاملين، استثماراً في الذاكرة التاريخية للمنطقة وفي قربها من موارد الإنتاج.
*تحفيز رأس المال الجبان* بإعفاءات ضريبية وجمركية وأراضٍ مجانية، لتشجيعه على النزول إلى الميدان بدل التفرج من بعيد.
*حل عقدة الطاقة* بخط مباشر من مروي، لأن المصنع لا يقوم على الوعود، بل على فولت مستقر.
*دمج التعليم بالإنتاج* حتى لا ننتج خريجين بلا مهارة، ومصانع بلا أيدٍ ماهرة.
*إنشاء بنك صناعي متخصص* يفهم مخاطر القطاع ويموّل ما تعجز عنه البنوك التقليدية.

لكن الملاحظ أن الخطة تجاهلت عمداً أو سهواً سؤالين لا تقوم لهما قائمة لأي مشروع صناعي في السودان اليوم: سؤال الأمن، وسؤال الإدارة.

أي مستثمر سيسأل قبل أن يضع جنيهاً واحداً: هل هذه الأرض آمنة؟ وهل سيُدار المشروع بمنهج مهني أم سيتحول إلى غنيمة للمحاصصة والسمسرة؟ فالتجارب السابقة في المدن الصناعية انتهت إلى خراب، لا لأن الفكرة فاشلة، بل لأن التنفيذ اختُطف.

الخلاصة أن الجزيرة لا ينقصها ما تنتج، بل ينقصها من يدير ما تنتج. لا ينقصها الحماس، بل ينقصها قرار سياسي يحمي المصنع كما يحمي الجبهة.

إذا أراد السودان أن يخرج من حربه اقتصادياً كما خرج منها عسكرياً، فعليه أن يعامل المصنع في الجزيرة معاملة المعركة. لا مكان هنا للشعارات، ولا وقت للمجاملات.

المعركة القادمة اقتصادية، وسلاحها الوحيد هو الإنتاج. ومن لا يملك مصنعاً، لا يملك قراره.

ا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى