الاقتصادية

معاوية السقا يكتب :الجزيرة.. حين تُدار الأزمة بالعقل لا بالشعارات

الحديث عن “معجزة” في إدارة المال العام أصبح نادراً في زمننا. لكن ما يحكيه وزير مالية الجزيرة عاطف أبو شوك عن ثلاثة أشهر تلت تحرير الولاية، يجبرك على إعادة تعريف الكلمة.
ليست المعجزة في رقم الثمانية مليارات التي أُنفقت في الربع الأول من 2025. الرقم وحده لا يعني شيئاً إذا تبخر في فوضى الصرف أو ذهب لسد ثغرات غير منتجة. المعجزة الحقيقية أن تُنفق هذا المبلغ دون أن تحدث فجوة واحدة بين الموارد والاستخدامات. أن تُعيد تشغيل المياه والكهرباء، وتؤهل محطة المياه النيلية، وتنجز 109 محطة طاقة شمسية، وكل ذلك في ولاية خرجت للتو من قبضة التمرد وفقدت كل مواردها.
القصة هنا ليست قصة مال، بل قصة إدارة. أبو شوك يروي كيف بدأ من المناقل بلا شيء: لا إيرادات اتحادية، لا نشاط اقتصادي، لا مكاتب ضرائب تعمل. فكانت الحيلة في تفعيل ما هو متاح. تفعيل مكتب الضرائب بمنسوبيه النازحين. فتح منافذ الشرطة للمرور والمعاملات. تنظيم الأسواق والجبايات التقليدية وتوجيهها للمجهود الحربي. إدارة أزمة بمنطق “اشتغل بما في يدك حتى يأتيك ما ليس في يدك”.

وهذا هو الدرس الأول: الدول لا تسقط حين تُهزم عسكرياً، بل حين تفقد قدرتها على التفكير في البدائل.

الدرس الثاني في شفافية الاعتراف. الرجل لم يتحدث بلغة التنزيه. قالها صراحة: الموارد الاتحادية متوقفة، الإيرادات مجمدة على فئات 2023، والحاجة أكبر من المتاح. لكن بدل البكاء على الأطلال، ذهب لتعديل الموازنة، ولإعادة تفعيل المجلس الأعلى للاستثمار المجمد منذ عهد إيلا، ولإشراك القطاع الخاص في خارطة التنمية.

ولعل أذكى ما فعله هو فهمه لمعادلة “الدولة والمجتمع”. 50% من مشروعات الطاقة الشمسية في القرى مولها المواطن نفسه. الوزارة لم تحتكر المبادرة، بل أكملت الناقص. هذه شراكة حقيقية، ليست شعارات. المواطن يرى أن ماله يذهب لخدمته مباشرة، فيزداد استعداده للمساهمة.

لكن ثمة سؤال معلق: هل هذا الزخم قابل للاستدامة؟

الإجابة مرهونة بأمرين. الأول: أن ينجح المجلس الأعلى للاستثمار في جذب مستثمر جاد، لا مستثمر أوراق. شرط السنتين للتنفيذ ذكي، لكنه يحتاج حماية من بيروقراطية الأرض والتراخيص. الثاني: أن يتحول الدعم الاتحادي من صدقة ظرفية إلى التزام مؤسسي. 500 مليون بعد التحرير لا تكفي لإعادة تأهيل ميناء جاف وديوان ضرائب ومرافق منهوبة.
أبو شوك يبدو مدركاً لذلك. لذلك يراهن على الميناء الجاف، وعلى ديوان الضرائب كـ”ماعون مشترك”، وعلى ضبط الغياب في الوحدات الحكومية. حديثه عن “الوفاء بالالتزامات وفق جداول الكميات” يكشف رجلاً يريد أن يحكم بالورق والقانون، لا بالمزاج والعلاقات.
في المحصلة، تجربة الجزيرة تقول شيئاً بسيطاً ومعقداً في آن: يمكن للدولة أن تعود إذا عاد الإحساس بالمسؤولية. يمكن للخدمة أن تعود إذا توقف الهدر وبدأت الأولوية للمواطن. ويمكن للمواطن أن يساهم إذا شعر أن دولته لا تكذب عليه.
الجزيرة أعادت تشغيل محولاتها. السؤال الآن: هل نعيد تشغيل ثقتنا في أن الدولة ممكنة؟
هذا هو الاختبار الحقي لما بعد “المعجزة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى