مقالات

معاوية السقا يكتب: الحوار السوداني الأصل.. حينما يصبح الاقتصاد هو السياسة

تشكيل اللجنة الاقتصادية برئاسة قمر الأنبياء وود عويضة ليس خبراً عابراً بل إعلان نزول من برج السياسة إلى رغيف الناس

ليست كل اللجان سواء، وليست كل الاجتماعات تترك أثراً. بعضها يمر كفقاعة صابون، وبعضها يضع حجراً في بناء الدولة.
ما حدث في الحوار السوداني السوداني الأصل وهو يشكل لجنته الاقتصادية ويختار قمر الأنبياء أحمد الإمام رئيساً وود عويضه نائباً له، ليس مجرد خبر تنظيمي عابر، بل هو إعلان نوايا بأن هذا الحوار قرر أن يهبط من برج السياسة العالي إلى أرض الناس، إلى معاشهم وجوعهم وخبزهم.
لقد مل الناس الحوار الذي لا يطعم خبزاً. مل الناس المنصات التي تتحدث عن الدستور والكراسي بينما الدولار يطير في قروبات واتساب والذهب يهرب في حقائب.

وهنا تكمن أهمية هذه الخطوة. أن تضع الاقتصاد في قلب مشروع الحوار، فأنت تقول للمواطن السوداني: سمعناك. أنت لا تريد خطاباً، تريد إنتاجاً.

الاقتصاد السوداني اليوم ليس أرقاماً في بنك السودان، هو جرح مفتوح. حرب دمرت المصانع وقطعت سلاسل الإمداد، زراعة بلا جاز، صناعة بلا كهرباء، مصارف بلا ثقة، شباب بلا عمل، وثروة حيوانية وتعدينية تنهب على عينك يا تاجر.

اختيار قمر الأنبياء وود عويضه ليس اختيار أسماء، هو رهان على عقلين يعرفان السوق لا الكتب فقط. والسوق السوداني لا يدار بالنظريات المستوردة من صندوق النقد، بل يدار بمن يعرف رائحة تراب القضارف ودخان مصنع سكر الجنيد وصوت إبل دارفور.

اللجنة أمامها امتحان عسير. لن يقيسها الناس بعدد الاجتماعات ولا بجمال البيانات، بل بسؤال واحد بسيط: هل تستطيعون أن تحولوا الحوار من كلام إلى مشروع يزرع قمحاً ويشغل شاباً ويوقف تهريب جرام ذهب؟

مسارب الضي الذي كتب الخبر بدقة، ترك لنا ما بين السطور: أن الحوار إذا لم ينتج رؤية اقتصادية سودانية خالصة، تنبع من مواردنا لا من جيوب المانحين، وتضع إعادة إعمار ما دمرته الحرب ودعم الزراعة والصناعة والمشروعات الصغيرة ومحاربة الفساد والاحتكار كأولوية، فسيكون مجرد نادٍ نخبوي جديد.

الاقتصاد هو السياسة الآن. ومن يملك رغيف الناس، يملك قرارهم.

وهذه اللجنة، إن صدقت، قد تكون أول مسمار حقيقي في نعش اقتصاد الشلليات والسمسرة، وأول لبنة في اقتصاد سوداني سوداني الأصل فعلاً لا قولاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى