الاقتصادية

معاوية السقا يكتب .. أمير يحيى هارون يفتح آفاقاً جديدة للاستثمار.. ثمان مدن صناعية بالجزيرة خطوة لتوطين الصناعة

لم تكن الجزيرة يوماً مجرد ولاية في خارطة السودان، كانت فكرة، فكرة أن هذا البلد يستطيع أن يطعم نفسه ويطعم غيره، وظلت لقرن من الزمان تحمل على كتفيها لقب سلة غذاء السودان، تزرع القطن فيُغزل في مانشستر، وتزرع القمح فيُطحن في جدة، وتزرع الطماطم فتعود إلينا صلصة في علب مستوردة بثمن مضاعف، حلقة عبثية ظلت تدور حتى جاء أمير يحيى هارون، مفوض الاستثمار بولاية الجزيرة، ليقطعها بقرار واحد لا يشبه القرارات، ثمان مدن صناعية جديدة دفعة واحدة، والرقم هنا ليس رقماً، هو بيان، ففي زمن تتعثر فيه المدن القديمة، أن تعلن عن ميلاد ثمان مدن جديدة فأنت لا تتحدث عن استثمار، أنت تتحدث عن ثورة هادئة تتحرك من قلب الحقل إلى قلب المصنع.

إن ما يفعله الرجل هو تحويل الجزيرة من سلة غذاء إلى مصنع غذاء، من أرض تبيع الخام بثمن التراب إلى أرض تبيع القيمة المضافة، فالقطن سيُغزل في الجزيرة، والقمح سيُطحن في الجزيرة، والذرة ستصبح نشاءً وجلوكوزاً في الجزيرة، والفكرة هنا ليست مجرد مصنع، بل هي فلسفة توطين كامل، توطين كان شعاراً في الخطب فصار آلة تدور، ولماذا ثمان؟ لأن الجزيرة ليست نقطة في الخريطة بل مساحة مترامية، ومدينة صناعية واحدة في ود مدني ستخلق اختناقاً وتهميشاً، لكن ثمان مدن موزعة على المحليات تعني تشغيلاً متوازناً وتقليلاً لتكلفة الترحيل لأن المصنع سيكون بجانب الحقل، وتعني أن الشاب لن يضطر للهجرة إلى الخرطوم بحثاً عن عمل، فالمصنع سيأتي إليه، وتعني أمناً صناعياً، فإذا تعطلت مدينة، سبع مدن أخرى تظل تدور، إنها هندسة استثمارية ذكية تفهم جغرافيا الجزيرة.

وحين يقول المفوض نفتح آفاقاً جديدة فهو يفتح في الحقيقة ثلاث آفاق مرة واحدة، الأفق الأول للمستثمر الوطني الذي شردته الحرب وبات يبحث عن أرض آمنة وخدمات جاهزة وكهرباء وماء وطريق، والمدن الصناعية هي رسالة طمأنة له بأن أرضه جاهزة، والأفق الثاني للمستثمر الأجنبي الذي يبحث اليوم في عالم مضطرب عن الأمن الغذائي، والعالم كله اليوم يبحث عن الجزيرة دون أن يدري، ورؤوس الأموال الخليجية والتركية والمصرية التي تبحث عن تصنيع غذائي ستجد في هذه المدن بوابتها، أما الأفق الثالث فهو أفق المواطن البسيط الذي سيرى ابنه يعمل في مصنع بدل أن يحمل سلاحاً أو يركب قارب هجرة، فالصناعة هي أكبر مشروع لمحاربة البطالة واليأس.

ولا أحد ينكر أن الطريق ليس مفروشاً بالورود، فثمان مدن تحتاج كهرباء مستقرة وطرقاً مسفلتة وتمويلاً مصرفياً وإجراءات لا تقتل المستثمر بالبيروقراطية، وهنا يكمن رهان أمير يحيى هارون الحقيقي، فالرجل لا يبيع وهماً بل يبيع خطة، خطة تبدأ بأن تكون المفوضية شباكاً واحداً لا متاهة شبابيك، وأن يكون المستثمر ضيفاً لا متهماً، فإن نجح هذا الرهان فإن الجزيرة لن تكون فقط سلة غذاء السودان، بل ستكون مطبخه ومصنعه ومخزنه، ولقد تعودنا أن نسمع عن الجزيرة في أخبار العروة الشتوية والصيفية، واليوم نسمع عنها في أخبار المدن الصناعية، وهذا تحول في اللغة وتحول في الوعي وتحول في المستقبل، فثمان مدن صناعية ليست مجرد قرار إداري من مفوض نشط، هي إعلان أن الجزيرة قررت أن تلبس ثوباً جديداً، ثوب الصناعة فوق ثوب الزراعة، ومن يلبس الثوبين معاً لا يجوع ولا يفقر أبداً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى