
ليست وزارة الصحة مجرد مبنى ودواء وطبيب يرتدي معطفاً أبيض، إنها مرآة الدولة حين تنظر إلى وجهها في الريف البعيد.
وحين يقول الدكتور أسامة عبد الرحمن، وزير الصحة بولاية الجزيرة، في حديثه لـ”المحور” إن الخارطة الصحية بالولاية تحتاج إلى الكثير من العمل، فهو لا يقدم اعترافاً بيروقراطياً، بل يضع يده على جرح قديم، ظل ينزف منذ أن تحولت الجزيرة من سلة غذاء العالم إلى مريضة تبحث عن دواء لنفسها.
أن تقول “استعدنا العمل بشكل كامل” في زمن الحرب، فهذه ليست جملة إخبارية، هذه معركة. أن تعيد تشغيل مستشفى في ود مدني، ومركزاً في المناقل، ووحدة في الحصاحيصا، في وقت كانت فيه المدن نفسها تبحث عن الأمان، فهذا يعني أن هناك من كان يقاتل في جبهة أخرى، جبهة لا يقل ضجيجها عن صوت المدافع، إنها جبهة البقاء.
واللافت في حديث الوزير لـ”المحور” ليس المدن الطبية بضخامتها، بل تلك الجملة الصغيرة التي مرت كأنها تفصيل: “تغطية عدد كبير من القرى في المحليات جميعها”. هنا يكمن التحول الحقيقي في أخبار السودان الصحية.
فالصحة في السودان كانت دائماً حبيسة المدن، تلمع في الخرطوم وود مدني، وتخفت كلما توغلت نحو القرية. أن تذهب فرق مكافحة نواقل الأمراض إلى القرى، لا أن تنتظر القرى أن تأتي إليها محمولة على نقالة، فهذا انقلاب في فلسفة الخدمة نفسها.
ثم تأتي الإشارة الأذكى في الحديث: الشراكة مع جهاز المخابرات العامة. قد يراها البعض جملة بروتوكولية، لكنها في لغة الحرب تعني الكثير. تعني أن الدولة بدأت تفهم أن معركة الصحة لا تدار من مكتب الوزير وحده، بل تدار بآليات وانتشار وانضباط وقدرة على الوصول.
الجزيرة التي كانت تعاني من الملاريا وحمى الضنك والإسهالات كقدر محتوم، تحاول اليوم أن تقول إن المرض ليس قدراً، بل هو نتيجة لبركة لم تردم، وبيئة لم تصحح، وناقل لم يكافح. وهذه هي الإنجازات العملاقة التي بشر بها الوزير.
ما قاله الوزير يفتح باباً لسؤال أكبر: هل نحن أمام ترميم لقديم تهدم، أم أمام تأسيس لجديد؟ إن كان مجرد ترميم، فسنعود بعد عام لنشتكي من نفس الخارطة. أما إن كان تأسيساً لمدن طبية متخصصة، بقلب يزرع وكلية تزرع ورنين يصور، فهذا يعني أن الجزيرة قررت ألا تكون مجرد محطة عبور نحو الخرطوم، بل أن تكون مقصداً بحد ذاتها.




