
في السودان، لا تبدو الحاجة إلى الحوار ترفاً سياسياً ولا خياراً موسمياً تفرضه ضغوط الخارج، وإنما أصبحت ضرورة وطنية تفرضها طبيعة الأزمة وتعقيداتها، وحجم الدماء التي سالت، والخراب الذي أصاب الإنسان والدولة والمجتمع، وما خلّفته الحرب من جراح عميقة تحتاج إلى معالجة سياسية واجتماعية وأمنية واقتصادية متكاملة.
ومن هنا فإن الحديث عن الحوار السوداني السوداني الأصل وينبغي أن يبدأ من قاعدة واضحة:
السودان لأهله
مستقبل السودان يقرره السودانيون
الحل السياسي الحقيقي لا يمكن أن يُبنى على وصفات جاهزة أو تفاهمات تُصاغ بعيداً عن أصحاب المصلحة الحقيقيين في هذا الوطن.
– الحوار الذي ينطلق من الداخل
الحوار الوطني الذي يحتاجه السودان ليس مجرد اجتماع للنخب السياسية، ولا منصة لتبادل الاتهامات، ولا مناسبة لإعادة تدوير الأزمة بأسماء جديدة، وإنما ينبغي أن يكون مساراً جاداً يبحث في جذور الأزمة ويضع مصالح الدولة والمواطن فوق الحسابات الحزبية والتنظيمية.
والحوار السوداني السوداني الأصل يوجب علينا النجاح، ويجب توسيع دائرة المشاركة لتشمل القوى المجتمعية والسياسية والأهلية والشبابية والنسوية والمهنية،والنازحين في المعسكرات، واللاجئين، وأصحاب المظالم في انتهاكات مليشيا الدعم السريع وكل من يلتزم بوحدة السودان وسلامة أراضيه واحترام مؤسسات الدولة وسيادة القانون.
أما معيار المشاركة فلا ينبغي أن يكون مجرد الانتماء السياسي أو القرب من هذه الجهة أو تلك، وإنما الموقف من الدولة، ومن وحدة السودان، ومن حق السودانيين في تقرير مستقبلهم دون إملاءات خارجية وشخصيات لها مواقف سابقة مواضحة من حياد ودعم قحت والوقوف مع تأسيس في أرشيف القنوات الفضائية.
– الأولوية لمن حمل الوطن في حدقات العيون
السودان لم يبقَ صامداً بفضل السياسيين وحدهم، وإنما بفضل ملايين السودانيين الذين ظلوا متمسكين بأرضهم، وجيشوا إمكاناتهم لخدمة أهلهم، وفتحوا أبوابهم للنازحين، وأقاموا التكايا والمبادرات الشعبية، وحموا أسرهم ومجتمعاتهم في أصعب الظروف.
– من الإنصاف أن يكون صوت هؤلاء حاضراً في أي عملية سياسية قادمة
فالمواطن الذي دفع ثمن الحرب، والجندي الذي وقف في الميدان، والطبيب الذي ظل يعمل في المستشفى،والمهندس الذي صان خطوط الإمداد الكهربائي والمائي، والمعلم الذي تمسك برسالته، والمزارع الذي عاد إلى أرضه، والمرأة التي تحملت أعباء الأسرة، والشباب الذين انخرطوا في الاستنفار والمبادرات الإنسانية والمجتمعية وكل هؤلاء ليسوا هامشاً في المشهد السوداني، بل هم جزء أصيل من صناعة المستقبل.
لكن هذا لا يعني إقصاء من يختلف سياسياً الا من حمل السلاح في وجه الوطن والمواطن ومن ايد من حمل السلاح، بل يعني أن الوطنية ينبغي أن تُقاس بالالتزام العملي بوحدة البلاد وسلامة شعبها واحترام مؤسساتها، لا بمجرد الشعارات.
– لا حوار بلا معايير وطنية
أي حوار جاد يحتاج إلى قواعد معلنة، وفي مقدمتها رفض استهداف المدنيين، ورفض استخدام السلاح لتحقيق مكاسب سياسية والتمرد علي الجيش الوطني، واحترام وحدة السودان، ورفض إنشاء كيانات موازية للدولة، والاحتكام إلى الإرادة السودانية.
أما القوى السياسية، بما فيها تلك التي تحمل أسماء ومواقف متباينة، فينبغي أن تُناقش وفق مواقفها المعلنة وأفعالها الموثقة، لا وفق التخوين والتعميم.
إن الخلافات حول قوى الحرية والتغيير أو تأسيس أو غيرها من القوى السياسية والمدنية ينبغي أن تُحسم، بالأحكام المطلقة التي تغلق أبواب الحل.
كذلك فإن أي جهة مسلحة ينبغي أن يكون موقفها من السلاح والدولة والقانون جزءاً أساسياً من تقييم مشاركتها في الحور السوداني السوداني الأصل وأي عملية سياسية.
– لماذا الرباعية؟
المسألة ليست في وجود وسطاء أو أصدقاء دوليين بحد ذاته، وإنما في حدود الدور الخارجي.
السودانيون يمكنهم الاستفادة من الدعم الدولي والإقليمي في الملفات الإنسانية وإعادة الإعمار وبناء مادمرته الحرب، لكن القرار السياسي النهائي بشأن مستقبل السودان ينبغي أن يظل سودانياً.
فالسودان ليس دولة بلا إرادة، وشعبه ليس عاجزاً عن إنتاج الحلول، وما يحتاجه هو مساعدة على الوصول إلى طاولة تفاوض حقيقية، لا أن تتحول الوساطة إلى وصاية، ولا أن يصبح الخارج هو الذي يحدد من يتحدث باسم السودان ومن يملك حق رسم مستقبله.
الحوار السوداني السوداني الأصل يجب أن لا يكون حواراً لإعادة توزيع السلطة بين النخب واحضار أصحاب الجنسية الأجنبية ، وإنما مشروعاً لإعادة بناء الدولة السودانية.
السودان يحتاج إلى حوار يضع خريطة طريق واضحة: حماية المدنيين، معالجة آثار النزوح، إعادة مؤسسات الدولة، إصلاح القطاع الصحي والتعليمي وفق ترتيبات وطنية، إعادة الإعمار، معالجة الاقتصاد، ثم الوصول إلى ترتيبات سياسية ودستورية يشارك فيها السودانيون وفق معايير معلنة.
والأهم من ذلك كله أن يكون الحوار قائماً على قاعدة لا لبس فيها: لا غالب ولا مغلوب بين أبناء الوطن، ولكن لا مكان أيضاً لمن يجعل السلاح وسيلة لفرض إرادته على الآخرين رائ.
فمن حق السودانيين أن يختلفوا سياسياً، ومن حقهم أن يتنافسوا على السلطة، ومن حقهم أن ينتقدوا الجيش والحركات والأحزاب والقوى المدنية فقط بالحق القانوني ، ولكن ليس من حق أي طرف أن يختزل السودان في تنظيم أو حزب أو جماعة أو بندقية.
– السودان يسع الجميع
السودان الذي نريده لا يكون سودان حزب واحد، ولا سودان جماعة واحدة، ولا سودان إقليم ضد إقليم، ولا سودان مليشيا ضد دولة.
إنه السودان الذي تسع فيه الخرطوم ودارفور والجزيرة وكردفان والنيل الأزرق والشمال والشرق، وتسع فيه كل مكونات المجتمع السوداني، تحت مظلة دولة واحدة وقانون واحد وحقوق متساوية.
والطريق إلى ذلك يبدأ بحوار سوداني حقيقي، صادق، شفاف، لا تفرض أجندته من الخارج، ولا يُختزل في مجموعة محدودة من السياسيين، ولا يتحول إلى منصة لتصفية الحسابات.
إن الوطن أكبر من الجميع، والدولة أبقى من الأحزاب، والسودان الذي مزقته الحرب لا يحتمل مزيداً من الانقسام.
الحوار السوداني السوداني الأصل ليس دعوة للمجاملة، ولا تنازلاً عن الثوابت الوطنية، ولا تفويضاً مفتوحاً لأي طرف، وإنما هو طريق للبحث عن تسوية سودانية تحفظ الدولة وتوقف نزيف الدم وتعيد للسودانيين حقهم في صناعة مستقبلهم.
فليجلس السودانيون إلى طاولة واحدة، وليختلفوا كما يشاؤون، وليطرح كل طرف رؤيته وحجته، ثم يكون الحكم للقانون والإرادة الشعبية والمصلحة الوطنية.
السودان يسع الجميع، ولكن مستقبله يجب أن يُبنى بإرادة السودانيين، وبمعايير وطنية واضحة، ودولة واحدة لا دويلات، وقانون واحد لا سلاح فوقه.
وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة




