منوعات

شموخ عمر تكتب … حبوبات “مارقات”.. ولكن بصوت الوعي

في الكثير من الجلسات العائلية المعاصرة التي تجمع بين أجيال مختلفة تتردد في الأثير دهشة عفوية يطلقها شبان وشابات من جيل التسعينات وجيل الألفية وهم يستمعون بتمعن إلى أغاني فرقة “البلابل”

دهشة تلخصها عبارات من نوع
“شنو الكلام الجريء والمباشر ده؟ هل حبوباتنا زمان كانوا مارقات للدرجة دي؟”

هذه الصدمة الشبابية الجيلية تفتح الباب أمام سؤال نقدي واجتماعي في غاية الأهمية
كيف لجيل نراه اليوم رمزاً للمحافظة والوقار والتمسك بالتقاليد أن يكون هو نفسه الجيل الذي قاد وشجع ثورة غنائية وصفت في وقتها بأنها خارجة عن المألوف؟
وكيف تتبدل معايير الجرأة والابتذال بين عصر وآخر؟

ثورة السبعينات.. عندما قادت البنت الخطاب

حين انطلقت فرقة البلابل في مطلع السبعينات لم يكن الأمر مجرد ظهور لثلاث شقيقات بأصوات جميلة

بل كان انقلاباً جذرياً على مفهوم “أغاني البنات” التقليدية التي كانت محصورة خلف الأبواب المغلقة في الأعراس والمناسبات الضيقة

فجأة وقفت الفتاة السودانية على المسارح القومية وأمام شاشات التلفاز الرسمية لتخاطب الرجل بندية وعزة نفس وتعبر عن شوقها وإعجابها بجرأة أدهشت مجتمعاً كان يخطو خطواته الأولى نحو الحداثة

وتتجلى هذه الجرأة الاجتماعية الذكية في أغنية “نور بيتنا” التي تعكس تفاصيل حميمية من قلب الحارة السودانية

فالخطاب هنا يكشف عن كسر قيود الرسميات حيث يدخل الحبيب إلى عقر دار الفتاة لتعبر البنت بوضوح تام ودون مواربة عن فرحتها الطاغية بوجوده قائلة “نور بيتنا وشارع بيتنا” في رسالة علنية تعلن حبها واحتفاءها به أمام الجميع

وفي “لون المنقة” كسرن تابوه الغزل الصريح والمباشر بلون بشرة الرجل وجاذبيته الملامحية

وفي “رجعنالك” لم يكن الخطاب خطاب امرأة مكسورة ترجو الرضا بل شابة تأخذ زمام المبادرة وتعلن العودة بكبرياء وثقة “وكيف نرفض رجوع القمر لبيتو؟”

أما “عشة صغيرة” فكانت بمثابة البيان الفكري والاجتماعي لفتيات السبعينات اللواتي يطمحن لتأسيس شراكة استقلالية عصرية بعيداً عن المظاهر الباذخة والقيود التقليدية القديمة

معايير العصر.. بين التجديد والابتذال

الدهشة التي تصيب فتيات وشباب جيل التسعينات والألفية اليوم تكشف عن مفارقة تاريخية طريفة

فالجيل الجديد الذي يعيش في عصر الانفتاح الرقمي المطلق يرى في أغاني الحبوبات جرأة موضوعية صادمة

وهنا تبرز نسبية المعايير الاجتماعية

فما كان يعتبره جيل السبعينات تجديداً وتحرراً ومواكبة للعصر الذهبي للمسرح والسينما والجامعات السودانية كان ينظر إليه من قبل المحافظين في ذلك الوقت على أنه جرأة زائدة قد تقترب من الخروج عن السائد الاجتماعي

ولكن ما الذي يحمي أغاني البلابل من وصفها بالابتذال بمقاييس اليوم مقارنة بما يسمى بالأغاني الهابطة حالياً؟

الإجابة تكمن في “الغطاء الإبداعي والوعي المسبق”

تلك الجرأة السبعينياتية لم تكن مجانية أو بغرض الإثارة السطحية

بل كانت مسنودة بوعي شعري رفيع صاغه كبار الشعراء مثل إسحاق الحلنقي وألحان موسيقية معقدة وضعها الموسيقار بشير عباس

لقد كانت جرأة مغلفة بالرقي الفني مما جعل المجتمع يتقبلها ويحتفي بها كمنارة ثقافية رائدة وليس كمغنيات عابرات

مشروع تحرري مصحوب بالوقار

إن صدمة الأجيال الجديدة من جرأة أغاني البلابل تعيد ترتيب المفاهيم

فالمسألة الفنية لم تكن يوماً في ماذا يقال بل في كيف يقال

الجرأة في السبعينات كانت مشروعاً تحررياً يمنح المرأة صوتها الخاص لتعبر عن مشاعرها بلسانها هي لا بلسان الرجل الذي يكتب عنها

لذا عندما تبدو لنا تلك الأغاني اليوم جريئة لدرجة تدفع الشباب لوصف الحبوبات بأنهن كن مارقات فهذا لا يعيب ذلك الجيل

بل يثبت أنه كان جيلاً حياً ومتطلعاً وصانعاً للتغيير

لقد تركت لنا البلابل إرثاً يعلمنا أن الفن يمكن أن يكون جريئاً ومباشراً ومحركاً للمجتمع دون أن يفقد ذرة واحدة من وقاره ورقيه وصوت وعيه الأصيل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى