الاقتصادية

البروفسور عمران عباس يكتب .. مدن الإنتاج الحيواني في السودان: مقاربة تنموية لتحقيق الأمن الغذائي وتوطين الصناعات

تشكل الثروة الحيوانية في السودان مورداً استراتيجياً لم يستغل بالصورة المثلى حتى الآن. ورغم الأعداد الكبيرة للماشية، ظل العائد الاقتصادي محدوداً بسبب هيمنة النمط التقليدي وتصدير “الخام الحي”. وفي ظل التحولات العالمية نحو سلاسل القيمة المضافة، أصبحت الحاجة ملحة لتبني نماذج جديدة.
وتقدم فكرة *”مدن الإنتاج المتكاملة”* التي طرحتها وزارة الثروة الحيوانية مؤخراً مقاربة علمية لمعالجة إشكاليات القطاع. وفي هذه الورقة نحاول تحليل هذه الرؤية من منظور تنموي واقتصادي، وتقييم جدواها في تحقيق الأمن الغذائي وتوطين الصناعة.

يقوم المفهوم التقليدي على فصل حلقات الإنتاج: المربي في البادية، والمسلخ في الأطراف، والمصنع في المدينة، والمصدر في الميناء. وهذا التشتت يولد فاقداً كبيراً في القيمة ويزيد كلفة الرقابة والبيئة.
أما مفهوم *”مدينة الإنتاج”* فيقوم على التكامل الرأسي والأفقي. التكامل الرأسي يتمثل في ربط التربية بالذبح بالتصنيع بالتصدير داخل موقع واحد. والتكامل الأفقي يتمثل في استغلال المخلفات كمُدخلات لصناعات أخرى وفق مبادئ الاقتصاد الدائري. وبذلك تتحول المدينة إلى “نظام بيئي صناعي” يقلل الفاقد ويرفع الكفاءة.

على المستوى الاقتصادي تشير التقديرات إلى أن تصدير رأس الماشية حياً يحقق عائداً لا يتجاوز 20% من قيمته كمنتج مصنع. فإنشاء مدن إنتاج يعني تحويل 800 دولار للرأس إلى 4000 – 8000 دولار عبر اللحوم المبردة، الجلود، الألبان، والأدوية. وهذا يسهم مباشرة في زيادة حصيلة النقد الأجنبي وتقليل عجز الميزان التجاري.
واجتماعياً توفر مدن الإنتاج فرص عمل نوعية ومستقرة في مجالات الطب البيطري، الصناعات الغذائية، اللوجستيات، والبحث العلمي. كما تحد من هجرة الشباب من الريف عبر خلق بيئة عمل جاذبة مرتبطة بالجامعات والمعاهد.
أما على صعيد البيئة والصحة فإن الاحتواء المكاني للأنشطة يتيح تطبيق معايير الصحة والسلامة والبيئة بصرامة. ويمكن معالجة النفايات مركزياً وإنتاج الغاز الحيوي والأسمدة، مما يقلل الضغط على الموارد الطبيعية ويحمي نهر النيل من التلوث.

ولنجاح هذا النموذج لا بد من توفر عدة متطلبات. أولها البنية التحتية من طاقة مستقرة ومياه وطرق. وثانيها الإطار التشريعي الذي يضمن حوافز للمستثمرين ويحمي حقوق المنتجين. وثالثها التمويل عبر الشراكة بين القطاعين العام والخاص. أما التحدي الأكبر فيتمثل في تغيير الثقافة الإنتاجية ونقل المنتجين والوسطاء من منطق السوق العشوائي إلى منطق المصنع المنظم.

إن فكرة “مدن الإنتاج” تمثل تحولاً مفاهيمياً مهماً في إدارة الثروة الحيوانية في السودان. وهي لا تعالج أزمة القطاع فقط، بل تقدم نموذجاً قابلاً للتعميم على قطاعات أخرى كالزراعة والتعدين.
وأوصي بالبدء بمدينة نموذجية واحدة في موقع استراتيجي قريب من مناطق الإنتاج والموانئ، وربط المدن مباشرة بمراكز البحوث والجامعات لضمان الاستدامة المعرفية، وإصدار قانون خاص بالمدن يمنحها حكماً ذاتياً إدارياً ومالياً، وإطلاق حملة توعية للمنتجين حول جدوى الانتقال من البيع الفردي إلى نظام المدينة.

إن الرهان ليس على الفكرة وحدها، بل على القدرة المؤسسية على التنفيذ. وإذا أحسنا إدارتها، يمكن لمدن الإنتاج أن تكون نواة لنهضة صناعية سودانية حقيقية.
*البروفسور عمران عباس*
*أستاذ الاقتصاد التنموي – جامعة الجزيرة*

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى