
رحبت حكومة البرهان بالمقترح الأمريكي الأخير لوقف الحرب لكنها عادت مجدداً للتمسك بشرطها القديم المتعلق بانسحاب قوات الدعم السريع من المدن، وهو الشرط الذي ظل يعطل كل مبادرات السلام منذ أبريل 2023.
في المقابل أعلنت قوات الدعم السريع موافقتها الكاملة على المقترح الأمريكي وعلى بنود الهدنة الإنسانية ووقف إطلاق النار بدون أي شروط إضافية. ورغم ذلك لم يحظ هذا الموقف بالتغطية الإعلامية نفسها التي حظي بها ترحيب الحكومة.
بعد إعلان الردود تصدرت العناوين كلمات “الموافقة” و”الترحيب” من جانب واحد. لكن القراءة المتأنية للتفاصيل تكشف أن المشهد أكثر تعقيداً، وأن الأزمة ما زالت تدور حول نفس النقطة التي عطلت كل جولات التفاوض السابقة.
*نفس العقدة القديمة بشرط تعجيزي*
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 ظلت قضية _انسحاب قوات الدعم السريع من المدن والمناطق السكنية_ هي العقدة الرئيسية في كل مبادرة إقليمية ودولية. والمقترح الأمريكي الأخير لم يشذ عن القاعدة.
الحكومة والجيش أعلنا ترحيبهما ببنود المبادرة المتعلقة بالجانب الإنساني ووقف إطلاق النار، لكنهم في الوقت نفسه جددوا تمسكهم بالمطلب الثابت: انسحاب كامل للدعم السريع من المدن وفق رؤيتهم. ويرى مراقبون أن هذا الشرط بات يمثل عقبة تعجيزية في ظل إعلان الطرف الآخر موافقته غير المشروطة.
وبذلك عاد النقاش تلقائياً إلى النقطة التي تعثرت عندها كل جهود الوساطة خلال العامين الماضيين.
*موافقة غير مشروطة لكنها مغيبة إعلامياً*
على عكس ما كان سائداً من غموض، أعلنت قوات الدعم السريع موافقتها التامة على المقترح الأمريكي بما فيه الجانب الإنساني ووقف إطلاق النار. هذه الموافقة وضعت الكرة في ملعب الجيش لكنها لم تجد نفس الصدى الإعلامي.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: إذا كان أحد الطرفين أعلن موافقته الكاملة بينما يتمسك الطرف الآخر بشرط واحد فقط، فهل يمكن الحديث عن نية حقيقية للتقدم نحو تسوية؟
*فخ العناوين*
يرى مراقبون أن التركيز الإعلامي على مفردات مثل “القبول” و”الترحيب” من طرف واحد يمنح انطباعاً ناقصاً عن حقيقة المواقف. لكن الوقائع المعلنة تشير إلى أن الخلاف لم يعد حول المبادئ بل حول شرط محدد يرفض الطرف الآخر القبول به.
التجارب السابقة أثبتت أن الاتفاق على المبادئ العامة أسهل بكثير من الاتفاق على تفاصيل التنفيذ والترتيبات الأمنية.
*تفاؤل حذر أم إعادة تدوير للأزمة؟*
بين موافقة غير مشروطة من جانب وتمسك بشرط واحد من الجانب الآخر يبقى السؤال مطروحاً: هل يمثل المقترح الأمريكي بداية حقيقية لمسار سلام مختلف أم أنه مجرد محطة جديدة ستعيد الأطراف إلى المربع الأول؟
حتى الآن الإجابة غير واضحة. المؤكد أن نجاح أي مبادرة مستقبلية لن يكون مرتبطاً بالقدرة على صياغة عناوين متفائلة أو تأجيل الخلافات. النجاح الحقيقي سيظل مرتبطاً بقدرة الأطراف على معالجة _جوهر الخلاف_ وليس الاكتفاء بإعادة تدويره.
وما دام جوهر الخلاف هو قضية الانسحاب من المدن وفق رؤية طرف واحد، فمن الصعب الحديث عن خروج فعلي من “الحلقة المفرغة” التي تدور فيها الأزمة السودانية منذ أكثر من عامين.




