
للأوطان ذاكرة لا تشيخ. تذكر من غابوا حين اشتدت العتمة، وتذكر أكثر من عادوا حين لاح أول خيط ضوء. و*حسن برقو* عاد. عاد لا ليُحصي الخسائر، بل ليفتح دفاتر المكاسب المؤجلة.
في قاعة وزارة الشباب والرياضة، حيث اجتمع مجلس إدارة *صندوق دعم الأنشطة الشبابية والرياضية*، لم تكن الكراسي وحدها هي التي امتلأت. امتلأ الفراغ الذي تركه الغياب الطويل للكفاءة. امتلأ الصمت الذي سكن الملف لسنوات. وحين تحدث برقو، تحدث الوطن من حنجرته: “المرحلة الجديدة ستكون مختلفة من حيث اتساع دائرة العمل”.
برقو لا يقرأ من ورقة. يقرأ من تجربة. ومن يعرف الرجل يدرك أن “الاتساع” في قاموسه يعني أن تخرج الرياضة من سور الاستاد إلى سوق العمل، وأن يخرج الشباب من طوابير الانتظار إلى مقاعد الإنتاج. هو لا يرى *صندوق دعم الأنشطة الشبابية والرياضية* بنداً في الموازنة، بل يراه جسراً بين الحلم والواقع. جسراً يُعبد بالشفافية، ويُضاء بالحوكمة، ويُفتتح بالمؤسسية.
في زمنٍ صارت فيه المناصب مقابر للطموح، يأتي برقو ليقول إن المنصب تكليف لا تشريف. وإن “الخبرات والعلاقات ستوضع بالكامل في خدمة السودان” ليست جملة للاستهلاك الإعلامي، بل خطة عمل لرجلٍ اعتاد أن يدفع الثمن من وقته وأعصابه قبل أن يطلب من غيره قرشاً.
حين وقف صابر الخندقاوي ليقول إن “نداء الوطن كان الدافع الأول”، كان يشير ضمناً إلى أن هناك من أطلق النداء أولاً. وبرقو أطلقه بالفعل. أطلقه يوم قرر أن يترك مقعد المتفرج وينزل إلى الميدان. أطلقه يوم اختار أن يكون جزءاً من الحل لا جزءاً من لائحة الشكوى.
الرهان اليوم ليس على الصندوق. الرهان على من يقود الصندوق. والشارع الشبابي والرياضي الذي خذلته المكاتب المغلقة، يرى في حسن برقو مفتاحاً لا وعداً. يرى فيه رجلاً يفهم أن الرياضة اقتصاد، وأن الشباب استثمار، وأن الزمن لا ينتظر أحداً.
نحن لا نكتب لنتفاءل. نكتب لنوثّق لحظة استثنائية: لحظة عاد فيها رجلٌ من طراز برقو ليقول للجميع “هأنذا”. ولحظة قرر فيها الوطن أن يسترد أبناءه من حقائب الانتظار.
برقو لا يدير صندوقاً. برقو يسترد وطناً.
قطعة.. قطعة.. حلم.. حلم.




