
في خضم ضجيج منصات التواصل الاجتماعي برزت خلال الأيام الماضية قصة خلاف حاد بين اثنتين من مشاهير السوشال ميديا في السودان هما “كاشا النيل” وصديقتها السابقة “مساجد”. ما بدأ كشراكة في بثوث مباشرة ومقاطع مشتركة انتهى بتبادل للاتهامات والتلويح بنشر صور ومقاطع فيديو خاصة في مشهد يعكس حجم الانحدار الذي وصلت إليه معايير الشهرة الرقمية.
لا تصدقوا انها خصومة انها شراكة انها مسرحية. عرض قذر يبدأ بصدمة واستفزاز مقصود ليشعل غضبك ثم تمثيل دور الضحية والجلد لكسب التعاطف ثم الابتزاز لضمان البقاء في دائرة الضوء والهدف ليس انتصارا للكرامة او دفاعا عن النفس انما انت تدفع انت كل تعليق منك راتب كل مشاركة ارباح. سوق النخاسة الرقمية لا يعترف الا بلغة الارقام من اراد المجد فليبدا من المستنقع هكذا يعلمون الاجيال.
في الماضي كانت الشهرة تحتاج إلى علم وعمل وسنوات من الصبر إلى تعثر ونهوض وإلى سقوط وقيام وكان الناس يقيسون القيمة بوزن الفكرة وبأثر الكلمة. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة. اليوم لا تحتاج إلى موهبة تحتاج إلى فضيحة. الفضيحة صارت محتوى والإساءة صارت رسالة والردح صار مهارة والتهديد صار تسويقاً. سقطة واحدة كافية للقفز إلى الأضواء لأن السقوط نفسه صار الطريق المختصر إلى الأعلى.
كانت “كاشا النيل” و”مساجد” تظهران سوياً في بثوث نالت متابعة واسعة وقدمتا محتوى قائماً من الأساس على الإيحاءات والحديث غير البريء إلا أن المتابعين فوجئوا بتحول العلاقة فجأة إلى عداء سافر. وفي خضم الأزمة خرجت “كاشا النيل” لتبرر نوعية محتواها بعبارة “المحتوى +18” وكأن وضع هذا التصنيف يمنحها حصانة أخلاقية أو يعفيها من المساءلة المجتمعية والقانونية. هذا التبرير يطرح سؤالاً جوهرياً هل يكفي وسم المحتوى بعبارة تحذيرية ليصبح كل شيء مباحاً ومن يضمن أن هذا المحتوى لا يصل إلى القاصرين في ظل غياب أي رقابة فعلية.
تأملوا المشهد جيداً فهو يُعاد كل أسبوع. الفصل الأول إشعال “لدي أدلة” “سأكشف” “انتظروا الفضيحة” والغرض إشعال الغضب ودفعك للتعليق. الفصل الثاني استدرار دموع على المباشر وانهيار مصطنع ودور الضحية والغرض كسب التعاطف وتوسيع دائرة المشاهدة. الفصل الثالث الإطفاء صلح مفاجئ وعناق وعبارة “كان سوء تفاهم” والغرض العودة إلى دائرة الضوء استعداداً للعرض القادم. نفس الوجوه نفس الكلمات نفس القذارة. إنها ليست خلافات إنها مسرحية رخيصة مكتملة الأركان وكلها تهدف لهدف واحد غير معلن تحويل الجدل والفضيحة إلى رأس مال رقمي.
والحقيقة المرة أننا لسنا متفرجين نحن الممولون. كل “أغضبني” هو تصفيق كل تعليق مسيء هو تذكرة دخول كل مشاركة بعنوان “شوفوا المهزلة” هي إعلان ممول. الخوارزمية لا تفرق بين المدح والذم هي آلة جائعة اسمها التفاعل. الشخص الذي تشتمه اليوم أنت من تطعمه بيدك. نحن من حولنا القاع إلى منصة ونحن من دفعنا بالقذارة إلى القمة.
اللافت أن هذا النوع من المحتوى يجد رواجاً واسعاً فريق يدافع بحماس عن “كاشا” وفريق آخر يناصر “مساجد” بينما يكتفي جمهور ثالث بمتابعة “الفضيحة” بشغف هذا التفاعل هو الوقود الذي يمنح هؤلاء الاستمرارية ويحول الابتزاز إلى سلعة رائجة ويصعد بأشخاص يفتقرون لأي قيمة فكرية أو فنية إلى واجهة المشهد.
نعم سيربحون سيربحون شهرة موشومة بالعار وسيتذكرهم التاريخ كعنوان للانحطاط لا كرمز للعطاء. وسيربحون مالاً حراماً مصدره ابتزاز وتشهير ومتاجرة بالخصوصيات. ويذهب الحرام من حيث أتى. إنها زوبعة في فنجان ضجيج اليوم ورماد الغد لأن ما بُني على الوحل لا يثبت.
وأخطر ما في الأمر ليس الخلاف ذاته بل تطبيع فكرة استخدام الصور والمقاطع الخاصة كأداة للتهديد والمساومة وتقديم نماذج تربط الشهرة بالجرأة على الأعراف. كما أن هذا المحتوى يرسم صورة نمطية مشوهة عن الشابات السودانيات أمام العالم ويختزل المجتمع في نموذج واحد لا يمثل إلا نفسه. القضية ليست “كاشا” ولا “مساجد” القضية في فراغ القيم وفي جمهور يمنح صوته ووقته لمن لا يستحق.
لا نطفئ النار بمزيد من الحطب نطفئها بالصمت. لا تعليق لا مشاركة لا تغطية لا حتى “النقد من أجل التوعية” لأن أكثر ما يقتل صانع الضجيج هو التجاهل التام. وفي المقابل نبني نصنع محتوى يرفع الذائقة وندعم من يضيفون شيئاً إلى حياة الناس.
المال الذي يأتي من الوحل لا يبني بيتاً إنه يحفر قبراً. وأكتب هذا قبل أن يُسدل الستار ويُعلن “الصلح” المعتاد. يبقى في الذاكرة من ترك الأثر لا من أحدث الضجيج. فإن أردتم أن تموت المسرحية فلا تشتروا تذاكرها. القرار قرارنا.


