مقالات

رمضان محجوب.. يكتب: أنواء الروح.. شهادة قلم عاصر الانكسار-الحلقة 44 خيانة العتبة

​▪️ كانت الجيرة عندنا ميثاقاً يغني عن المواثيق المكتوبة، و”الستر” الذي نستظل به حين تضيق الدنيا بما رحبت. كنا نرى في الجار أخاً لم تلده أمنا، نقتسم معه اللقمة والملح، ونودع عنده همومنا في طمأنينة لا تشوبها شائبة. هذه البيوت المشرعة للأحبة جعلت من الجيرة درعاً يصد نكبات الزمن، وملاذاً لأرواحٍ أنهكها الوجع المسكوت عنه، فكنا نعيش في كنف الجار كأننا في حصنٍ منيعٍ لا تؤرقه نوائب الدهر، ولا تكسره ريح الغدر التي لم نكن يوماً نحسب لها حساباً في قاموس عيشنا.
​▪️ فجأة، داهمتنا الحرب لتفكك كل شيء، ولم تكتفِ بهدم الجدران، بل استباحت حكايانا. وحين وجدت المليشيا في بعض “ضعاف النفوس” صيداً سهلاً، انقلب الجار -الذي كان حارساً للقيم- عيناً ترصد سكناتنا. أتذكر جاراً كان بيته في وجه بيتي، وعشنا سنواتٍ نتنفس هواءً واحداً، اتخذته أخاً قبل أن يكون جاراً، فإذا به أول من فتح ثغرات بيتي للمليشيا ليتخذوا منه معسكراً، داساً بقدميه على حرمة البيوت التي ما تجرأ أحدٌ من قبل على انتهاكها.
​▪️ يا وجعنا.. أي غشاوة غطت بصائرهم حتى انحدروا إلى هذا الدرك؟ لقد أطلقت الحرب سراح أحقادٍ كانت دفينة، فصار الضعيف يرى في نكبة ميسور الحال فرصته للتشفي، وفي أمانه استفزازاً لنقصه الدائم. هذا الانحطاط ولّد “وشايةً” أصبحت عملة المفلسين أخلاقياً، وطريقاً للتقرب من الغزاة، بعد أن كانت المروءة هي بوصلتنا التي لا نحيد عنها، فصارت الوجوه التي كنا نلقاها بالسلام تبتسم لعدونا، وتعدُّ أنفاسنا في غفلةٍ من الزمن الرديء.
​▪️ انحدرت الوشاية من همس المجالس لتصبح سيفاً مسلطاً يقرر مصائر الأبرياء. الكلمة الخبيثة التي ينقلها “الجار المنافق” للمليشيا تمزق أمان الأسرة في لحظة، فتزرع الشك في القلوب، وتحوّل أحياءنا التي كانت تنبض بالطمأنينة إلى ساحات للحذر، مانحةً الواشي سلطة واهمة يظن معها أنه يملك التحكم في أنفاسنا، متناسياً أن هذا الخذلان سيظل لعنةً تلاحق ذريته وسمعته في مجتمعٍ لم يعرف يوماً الخيانة كقيمةٍ تضاف للرجال.
​▪️ والمؤلم حقاً أننا صمتنا.. غض البعض الطرف عن هؤلاء المفسدين خوفاً، أو استسلاماً لسطوة السلاح. بصمتنا هذا عن خائنٍ جعل من نفسه “عين المليشيا” على أبناء حيه، صرنا متواطئين بشكلٍ أو بآخر في تفكيك نسيجنا من الداخل، ومع هذا الصمت استشرى الغدر، حتى صار الحذر من “الجار المتربص” أقسى من خوفنا من رصاص القناص الذي يترصد حياتنا، وصار الصمت الذي كان يوماً حكمة، عبئاً ثقيلاً ينوء بحمله كاهل الشرفاء الذين رأوا الحق فما نطقوا به.
​▪️ تبخرت ثقافة “الأمان” وساد منطق “الريبة”، فصار الواحد منا يغلق بابه سبع مرات، ليس خوفاً من الغريب، بل من “الجار المخبر”. هذا الانكسار أنتج جيلاً من القلق، يخشى البوح بأبسط تفاصيله، خشيةً أن تتحول حياته إلى مادة دسمة في تقارير هؤلاء الذين وجدوا في غبار الحرب غطاءً لأفعالهم الدنيئة، ففقدنا لذة العفوية، وأصبحنا نراقب خطواتنا في بيوتنا كما يراقب السجين حراس الزنزانة، نترقب المجهول بقلوبٍ واجفة لا تعرف أين يستقر بها المقام.
​▪️ ورغم هذا السواد، برهن لنا بعض الجيران أن الذهب لا يصدأ. كان وقوفهم معي في محنتي في “الصفوة” بلسماً؛ أخي الذي لم تلده أمي “علي شريف” وأسرته الكريمة، وجارتي “أم خليفة” التي تجسد نبل المرأة السودانية. لا أنسى صديقي محمود الجيلي، ورفيقي محمد عبدالله يعقوب وزوجته الزميلة رشا محمد عثمان. وفي “طيبة”، فُتحت لي أبواب الكرم عند “نورين عبد الباقي” وإخوانه احمد و الريح ومبارك، وكوكبة من الكرام: المهندس محمد الأمين يوسف، وصلاح وعمر إبراهيم ورفيق الحصار أخي صلاح عبد القادر والأخوين الزهاوي ومرتضى مصطفى واخوانهم، والمغفور له محمد المبارك أحمد عبيد “شيكان”واخوانه ، وآخرين دونهم فلهم في القلب ميثاق وفاءٍ لا يمحوه زمان.
​▪️ اليوم… نقف أمام واقعٍ يفرض علينا استحقاقات أخلاقية لا مفر منها؛ فالجيرة التزام إنساني رفيع قبل أن تكون مجرد سكن. بتعرية الخونة، وتصحيح مفاهيمنا، والوقوف في وجه من يبيعون حرمة بيوتنا، نستطيع صد هذا الخراب الذي ينهش ما تبقى فينا. المروءة التي كانت تختصر شهامتنا، باتت اليوم في مهب الريح، لكننا لن نستسلم لهذا الانحدار، فمن يبيع جاره اليوم سيجد نفسه غداً وحيداً بلا كرامة، يجر أذيال الخيبة في دروبٍ لا تعرف للغادرين وطناً ولا ملاذاً.
​▪️ الوشاية “سوس” ينخر عظام مجتمعنا، بل هي أخطر من القذائف المتساقطة. حين تنعدم الثقة بين أهل الدار، نكون قد أعلنا نهاية قيمنا. تفكك الجيرة نذيرٌ بأن الحرب نالت من أرواحنا أكثر مما نالت من أبنيتنا، وأن الانهيار القيمي هو الكارثة الحقيقية التي لا بد أن نواجهها بصدورٍ عارية من الخوف، وبوعيٍ يجعلنا نميز بين الصديق والعدو، وبين الجار الوفي ومن رضعوا لبان الغدر، في مشهدٍ سريالي يعكس عمق الأزمة التي نعيشها في كل يوم.
​▪️ لا بد من وقفةٍ لا تراجع فيها؛ فكلنا مسؤول عن ترميم ما انكسر. ويتحتم علينا أن نورث أطفالنا أن الجار أمانة، فليس عيباً أن نتغافل عن زلات، لكن العيب كل العيب أن نتصيدها لنشيعها بين المعتدين، محققين نصراً وهمياً على كرامة من نتقاسم معهم الدرب. نحن نحتاج لأن نعيد تعريف معنى الجيرة، وأن نغرس في نفوس النشء أن الحماية التي يوفرها الجار لجاره هي أسمى صور التكافل الاجتماعي، لا تلك التي تقوم على الرصد والوشاية المسمومة.
​▪️نحن اليوم أحوج ما نكون للعودة لثقافة “الستر” التي عصمتنا طويلاً. فمن يستر جاره يحفظ كرامته هو قبل كرامة مجتمعه، ومن يتجسس لصالح المليشيا ستنتهي به الحال إلى خزيٍ تلاحقه فيه لعنات الناس، وصمة عارٍ لا يمحوها تقادم الزمان. إن الستر ليس ضعفاً، بل هو قوة الشخصية السودانية التي عرفناها، تلك القوة التي ترفض أن تنحدر إلى مستوى أعدائها، وتفضل أن تعيش بكرامةٍ ولو في شظفٍ من العيش، على أن تعيش بترفٍ ممزوجٍ بذل العمالة التي لا تليق بحرٍ.
​▪️ سقوط الجيرة ليس قدراً، بل هو استسلامٌ لنوازع الحرب القذرة. وبإمكاننا بالكلمة الطيبة والترفع عن الصغائر أن نستعيد تلك الأجواء التي كانت تجعل من كل حيٍ “وطناً صغيراً”؛ فالقرار اليوم بأيدينا، فإما نبني جسور الثقة، أو نستمر في الهدم حتى لا يبقى بيننا سوى الجدران الصماء. لقد تعلمنا الدرس القاسي، والآن حان وقت التطبيق؛ بأن نكون حراساً لبعضنا البعض، وأن نقطع دابر الفتنة التي أراد الغزاة زرعها في قلوبنا لتفتيت وحدتنا الوطنية التي كانت دوماً هي الحصن الأول.
​▪️ هل ماتت مروءة الجار؟ المشاهد التي نراها تشي بأنها في غيبوبة، لا أنها ماتت. ولا تزال هناك بيوتٌ عامرة بالود، وجيرانٌ يتقاسمون الخبز والدمع، إنهم الرهان الأخير لاستعادة عافية مجتمعنا، ومن يقع على عاتقهم تلقين الواشين درساً بأن الأصالة لا تموت بالرصاص. إن الرهان على بقايا النبل فينا هو ما سيخرجنا من هذا النفق المظلم، وسيجعلنا نرى الضوء في نهاية الطريق، مهما كانت المسافات طويلة والمحن شديدة، ومهما حاول أعداء الداخل أن يطفئوا جذوة الأمل في نفوسنا.
​▪️ خيباتنا اليوم هي انعكاس لهذا “انكسار الروح”. وإذا لم نعد ترتيب أولوياتنا، سنمضي نحو مستقبلٍ لا يعرف فيه الجار جاره، فالمروءة هي روح الجيرة، وبدونها نتحول إلى تجمعاتٍ متوحشة تقتات على ضعف بعضها. صرختي هذه في وادي الخيبات؛ لكي نرمم ما دمرته الحرب في دواخلنا. ومع أن الانكسار تراكمي، إلا أننا أحوج ما نكون لـ “ثورة وجدانية” تعيد للجيرة حقها، فهل ننتصر لإنسانيتنا التي أرهقتها الحرب، أم نسمح لهذا الانكسار بأن يبتلع ما تبقى من إرثنا الجميل؟
​▪️ التاريخ سيكتب أننا كنا هنا، نناضل من أجل قيمنا، وأننا مهما سقطنا، سنظل نتطلع للسماء، مؤمنين بأن الفجر لا بد أن يبزغ على بيوتنا التي ستعود عامرةً بالوفاء والمروءة. سنبني ما هدمه الغدر، ليس بالحجارة فقط، بل بقلوبٍ تصالحت مع ذاتها، وعادت لتؤمن أن الإنسان أخو الإنسان، وأن الجيرة هي القدر الجميل الذي لا يمكن أن يغيره رصاصٌ عابر، ولا واشٍ مأجور، ولا زمنٌ أغبر أراد لنا أن ننسى من نكون..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى