وسط دوي الرصاص، ووجع الجوع، ومرارة النزوح، برز صوت آخر. صوت لا يصيب الجسد، بل يفتك بالروح. إنه وباء “الابتذال الرقمي” الذي تسلل إلى الميديا السودانية فحوّل الشاشة منبر إلى خنجر، ومن كلمة إلى جرح.
في زمن الامتحان الوجودي، كان يُفترض أن تكون الميديا صوت الشعب الصابر، وسنده، ونافذته التي تعكس صموده. فالسودان اليوم حرب وتشرد وأطفال بلا مدارس وأمهات بلا سقف. لكن المعادلة انقلبت رأساً على عقب. اكتشفت بعض الصفحات قاعدة قذرة: كلما انحدرت بالقاع، ارتفع ريتشك.
فصارت المقاطع القصيرة بلا حبكة ولا رسالة، مجرد إيحاءات رخيصة وألفاظ سوقية ومشاهد مفتعلة تكسر الحياء، تحت عنوان “كوميديا” زائفة. قاعدة واحدة تحركهم: الشهرة تبرر الوسيلة، حتى لو كانت الوسيلة هدم المجتمع.
الشهرة أم القيم؟
طفل في معسكر نزوح لا يجد الشبكة إلا بالكاد، فيفتح هاتفه ليصدمه مشهد مخجل باسم الضحك. وأخت سودانية تهرب من أخبار الحرب ساعة، فتجد من يبيع كرامتها بمشاهدات. وأب ربّى أولاده على الحشمة، تفرض عليه الخوارزمية نموذجاً جديداً: البجح نجم، وقليل الأدب مؤثر.
نحن لا نرفض الضحك. فالسوداني خفيف الدم، ونكته تسوى الدنيا. لكن الضحك لم يكن يوماً بحاجة إلى “إسقاط بنطلون” أو كلام سوقي ليضحك. ضحكنا الأصيل كان ود البادية وسراج عمر وحسن عطية. ضحك فيه كرامة، وذكاء، وسودنة أصيلة.
لمن تبيعون السودان؟
أيها صناع “الترندات العفنة”، هل المشاهدة أغلى من سمعة بناتنا؟ وهل الدولار أهم من تربية أولادنا؟ وهل اللايك أعظم من تاريخ شعب كان مضرب مثل في الحياء والنخوة؟
أنتم لا تصنعون محتوى، بل تصنعون جيلاً بلا حياء. جيلاً سيكبر وهو يظن أن قلة الأدب بوابة نجومية، وأن كسر الحواجز يعني كسر الدين والعادة والتقاليد. هذه ليست حرية تعبير، إنها خيانة ثقافية في وقت الحرب.
مقاطعة ومواجهة وبناء
الحل يبدأ منا. سلاحك الأول المقاطعة: أي صفحة تقدم عفناً، بلوك وريبورت. فالريتش هو رزقهم، فاقطعوه. وسلاحك الثاني الدعم: ارفعوا الشباب السوداني الذي يصنع محتوى هادفاً وتوعوياً وكوميدياً محترماً يوثق معاناة الناس. وسلاحك الثالث البيت: فالأب والأم ليسا في إجازة، والهاتف ليس مربية. والترند لا يربي، أنتم من يربون.
أما لصناع المحتوى الشرفاء، فتذكروا أن الكاميرا أمانة. ستُسألون عن كل ثانية قدمتموها. اجعلوا بصمتكم صدقة جارية، لا سيئة جارية.
السودان أكبر من فيديو تافه
السودان بلد المهدية والشهامة والضيف أول. بلد النساء اللاتي يغطين وجوههن بالطرحة، والرجال الذين يضعون أختهم في العيون. لا يمكن لكاميرا تافهة أو ترند لحظي أن يمحو مئة عام من الحضارة.
نحن لا نحارب بالسلاح وحده. نحن نحارب بالهوية. ومن يفرط في هويته وقت الشدة، لا يستحق أن يحمل اسم السودان في بروفايله.
فإلى متى نصمت؟ وإلى متى نجعل المشاهدات أهم من المبادئ؟


