
في زمنٍ تعتم فيه المعاني وتبهت الألوان، وتتحول فيه البندقية إلى لغة وحيدة، نهض رجلٌ ليذكرنا أن الحرب لا تلغي الإنسان، وأن الكرامة لا تُصان بالسلاح وحده.
إنه *الشيخ الأمين عمر الأمين*.. لم يحمل ميكروفوناً ليخطب، ولا منصباً ليأمر، بل حمل قلباً ومشى به بين الخنادق والبيوت المكسورة.
حين ضاقت الطرق، اتسع دربه. وحين جفّت الجيوب، امتلأت يده بالعطاء. كان يرى في كل نازحٍ وطناً صغيراً هُجّر، وفي كل يتيمٍ قصةً يجب ألا تُنسى، وفي كل جائعٍ كرامةً يجب ألا تُهان.
*في الخرطوم المحترقة* كان يوزع الخبز كما توزع الآيات.. بهدوء، بلا ضجيج، . يقول للمكلوم: “أنت لست وحدك”. ويقول للخائف: “للصبر بابٌ آخر اسمه التكافل”.
*في التكايا* كان يجلس على الأرض مع من فقدوا الأسقف، يأكل من نفس الإناء، ويشرب من نفس الكأس، فيُعيد للإنسان هيبته قبل أن يُطعمه.
*في المخيمات* كان يمسح على رأس الطفل الذي نسي اسمه من الخوف، ويهمس له: “ستعود المدرسة، وسيعود اللعب، وسيعود الوطن”.
لم تكن حربه معركة بيانات، بل معركة أرواح. حارب اليأس بالزيارة، وحارب الجوع بالكسرة، وحارب النسيان بالحضور. كان يؤمن أن “معركة الكرامة” جبهتها الأولى هي جبهة الإنسان. فإذا انكسر الإنسان سقطت كل الشعارات.
رأوه في المستشفى يواسي المريض، وفي الطريق يرفع عن كاهل العجوز كيس الدقيق، وفي ديوان العزاء يواسي الثكلى، وفي ساحات الإيواء يوزع الفراش قبل الكلمة. لم يسأل عن لون ولا قبيلة ولا انتماء. سأل سؤالاً واحداً: “أين الوجع؟” ومضى إليه.
*الشيخ الأمين عمر الأمين* لم يكن تاجر أزمة. كان تاجر معنى. اشترى بالصبر قلوباً، وبالتواضع احتراماً، وبالبذل دعاءً لا يُرد. جعل من اسمه عنواناً للرحمة في زمنٍ كثرت فيه قسوة العناوين.
لقد علّمنا أن العظمة ليست في أن تكون في الصدارة، بل في أن تكون في الصف الأخير حيث يقف المنسيون. وأن القيادة ليست كرسياً، بل كتفاً يُتكأ عليه.
اليوم ونحن نكتب عن “معركة الكرامة” سنذكر البندقية، وسنذكر الموقف، وسنذكر الصمود. ولكننا سنذكر أيضاً هذا الرجل الذي مشى بيننا حافياً من الوجع، ليقول للعالم:
حتى في الحرب.. يمكن للإنسان أن ينتصر.
لأن الوطن لا يُبنى بالحجارة فقط، بل بالأيادي التي تمسح الدمع، وبالقلوب التي لا تنام والآخرون جياع.
*الشيخ الأمين عمر الأمين*.. قنديلٌ في زمن الرماد، يضيء ولا يحترق.




