منوعات

شموخ عمر تكتب : زيارة طه سليمان الي دبي .. بين الرمزية السياسية وحق الفنان في الاختيار

زيارة الفنان طه سليمان الى دبي اعادت فتح نقاش قديم جديد حول علاقة الفنان بالسياسة وحول المعنى الحقيقي للسلام في زمن الحرب الممتدة. فبينما ينشغل الناس بقراءة المواقف وتحليل الزيارات يبقى السؤال الاهم هل نتعامل مع الفنان كإنسان له حق الاختيار ام نحوله الى رمز نعلقه على حائط التقديس او التخوين حسب مزاج اللحظة.

الفنان انسان قبل ان يكون موقفا الفنان بطبيعته مرهف الحس ميال الى السلام اكثر من الحرب وعندما نختزله في موقف سياسي ونسلبه ارادته فاننا نقتل فيه اثمن ما يملك القدرة على الاحساس والتعبير. مثال ذلك الفنان طه سليمان لم يكن مجرد داعم لاحد اطراف الصراع بل كان ملتصقا بارضه وبيته وناسه رفض مغادرة الخرطوم في اصعب الاوقات بموقف اختياري دون ضغط او املاء وهو قرار شخصي يحترم في ذاته لا يمدح ولا يذم لانه نابع من ارتباط وجداني بالمكان والناس. لكن المفارقة ان الفنان الذي صدر اعلاميا كبطل قومي داعم للجيش قبل اليوم دعوة رسمية من الدولة التي ينظر اليها كداعم رئيسي للطرف الاخر. هنا يظهر التناقض بين الصورة الذهنية التي رسمها الاعلام للفنان وبين الواقع السياسي المتحرك الذي لا يعرف ثباتا في المواقف. قبول الدعوة لا يعني بالضرورة تراجعا عن الموقف السابق بقدر ما يعكس ان السياسة والمصلحة تفرضان مسارات جديدة حتى على الافراد. المشكلة تبدا عندما نحمل الفنان اكثر مما يحتمل ونمنعه من حقه في التغيير او الفصل بين فنه ومواقفه الشخصية.

حين تستضيف الامارات فنانا ارتبط اسمه بموقف مؤيد للجيش فان الهدف ليس فنيا ولا ترفيها بريئا الرسالة سياسية بامتياز توظيف الرمزية الثقافية كاداة ناعمة لايصال اشارات سياسية ولتحسين صورة الامارات وتقوية حضورها في المشهد الاقليمي والدولي. وهنا يظهر الذكاء السياسي الاماراتي في الدمج بين الملف السياسي والرمزية الثقافية وليس فصلهما فالاستثمار في الرموز والفنانين يتحول الى وسيلة لامتصاص الغضب الشعبي وتغيير وجهة الراي العام وتمهيد الطريق لعودة العلاقات الدبلوماسية دون ان تبدو الخطوة تراجعا سياسيا مباشرا.

السياسة متحركة والمصلحة تعيد رسم الخارطة باستمرار لذلك من الخطا ان نحرم الفنان من حق التغيير او ان نربطه بجهة واحدة ونتهمه اذا خالفها. الدرس الاهم ان الموقف الثابت الوحيد هو السلام فلا انتصار يبرر الخراب ولا شعار يستحق ان نبيع من اجله ضميرنا. وان لم نستطع ايقاف الحرب فلنكن على الاقل خارج دائرة الوقود التي تغذيها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى