
القاهرة لا تنام، لكنها لا تعرف أيضاً كيف توقظ أحلام الغرباء.
وفي زحامها المهيب، تتبعثر أصوات الفنانين السودانيين بين مقاهي وسط البلد ومسارح المهجر، تبحث عن وطنٍ مؤقت في نبرة عود، أو عنفوان إيقاع، أو دمعة حبيسة خلف الكواليس.
منذ أن لفح لهيب الحرب وجوه الخرطوم، تمددت خارطة الفن السوداني نحو الشمال. القاهرة احتضنت، لكن الاحتضان لا يعني الاعتراف. فنانو الصف الأول الذين كانت “عداداتهم” تزل قاعات أم درمان، وجدوا أنفسهم أمام معادلة جديدة: أنت هنا تبدأ من الصفر، أو تكاد.
محمد بشير الدولي، الذي أربك الساحة مؤخراً، ليس استثناءً. هو قاعدة تتشكل. فالقاهرة تمنح المنصة، لكنها تأخذ في المقابل جزءاً من الهوية، وتفرض ضريبة باهظة اسمها “الغربة الفنية”. أن تغني للجاليات في قاعة مغلقة، بعد أن كنت تصدح للملايين في الهواء الطلق، ذاك لون من ألوان المنفى.
ثمة ثمن لا يكتبه المتعهدون في العقود. هو ذاك الانكسار الصامت حين تُقارن بـ”فناني الداخل” المصريين، أو حين يهمس منظمو الحفلات: “الجمهور عايز مصري”. هو الغصة التي تعتري إيمان الشريف حين تضطر للرد على حملات التشكيك لا بأغنية جديدة، بل ببيان دفاع عن وجودها ذاته.
الفنان السوداني في مصر يدفع ثمنين: ثمن فقدان الوطن الأم، وثمن السعي لإثبات أنه جدير بوطن بديل. يدفع من كرامته الفنية حين يخفض “العداد” مرغماً، ويدفع من روحه حين يرى صورته تتصدر “الترند” مقرونةً لا بإبداعه، بل بخلافٍ عابر أو تصريحٍ مُجتزأ.
المفارقة المؤلمة أن ذات الجمهور السوداني الذي نزح إلى القاهرة، هو الذي بات عاجزاً أحياناً عن دفع ثمن تذكرة حفل لفنانه المفضل. تضخمٌ يطحن الجميع، فناناً ومتلقياً. فتجد الفنان أسيراً بين مطرقة الغلاء وسندان الحنين: إن رفع سعره خسر جمهوره، وإن خفضه خسر قيمته.
أما العلاقة مع الشارع المصري، فهي قصة أخرى. هي علاقة محكومة بالمزاج العام، وبتقلبات “السوشيال ميديا”. كلمة عابرة قد تشعل حرباً، وصورة قد تهدم جسوراً بُنيت في سنوات. وهنا يدفع الفنان ثمن كونه سفيراً غير متوج لبلده، يُحاسب على أخطاء السياسة، ويُطالب بدفع فاتورة لا تخصه.
ورغم كل ذلك، يستمر الغناء. لأن الفنان السوداني في القاهرة لم يأتِ لاجئاً يطلب الشفقة، بل جاء حاملاً إرث الطمبور والدليب، جاء ليقول إن الحضارة لا تموت بالرصاص.
هم يدفعون ثمن الغربة، نعم. يدفعونه من أعصابهم، ومن دمعهم، ومن شيخوخة مبكرة تزحف إلى ملامحهم. لكنهم في المقابل، يحفظون ذاكرة أمة كاملة من النسيان. وحين يصدح صوت محمد النصري أو إيمان الشريف في ليل القاهرة، فإن الذي يدفع الثمن الحقيقي هو الصمت. الصمت هو الذي يخسر.
فهل سندرك يوماً أن دعم فنانينا في المهجر ليس ترفاً، بل هو استثمار في بقائنا؟ أم سنتركهم وحدهم يدفعون ثمن غربتين: غربة الجغرافيا، وغربة التجاهل؟



