
حين يكتب الأديب من جرح الجغرافيا، لا يعود المكان خلفيةً بل يصبح قدراً. وهذا ما فعله الطيب صالح حين جعل من “ود حامد” كوناً، وهذا ما يفعله اليوم الأديب الإريتري هاشم محمود وهو يحمل “أسمرا” و”مقديشو” على كتفيه ليطرق بهما أبواب العالمية. إن كان الطيب صالح قد جعل من نخيل الشمال السوداني شاهداً على صراع الهويات، فإن هاشم محمود في “شتاء أسمرا” يحوّل البرد والضباب إلى لغة. الشتاء عنده ليس طقساً، بل حالة وجودية. هو برد المنافي، وضباب الذاكرة، وصقيع الأحلام المؤجلة. المدينة المرتفعة لا ترتفع عن الأرض فقط، بل عن اليقين. ومن هنا يبدأ الحفر في أسئلة الهوية والانتماء التي تشظت بين الحرب والاستقلال واللجوء. في “موسم الهجرة إلى الشمال” كان العنف كامناً تحت جلد الحكاية، عنفاً ثقافياً ونفسياً. أما في “عطر البارود”، فإن هاشم محمود يُخرج البارود من مخازنه ليجعل رائحته تملأ رئة القارئ. هو لا يكتب عن الحرب كحدث، بل كـ”عطر” التصق بجلد الأجيال. روايته تفكيكٌ جارح لذاكرة البندقية في القرن الإفريقي. البارود هنا ليس أداة موت فقط، بل هو الحبر الذي كُتبت به تواريخ شعوب كاملة، وهو ما يقربه من جسارة الطيب صالح في نبش المسكوت عنه. الطيب صالح جعل بطله “مصطفى سعيد” معلقاً بين لندن وود حامد. وهاشم محمود في “عصا مقديشو” يمدُّ حبل المنفى ليصل بين أسمرا ومقديشو والخرطوم والمهاجر. “العصا” ليست عصا الترحال فقط، بل عصا الكفيف الذي يتحسس بها طريقه في خرائط ممزقة. أبطاله يحملون أوطانهم في حقائب، لكن الحقائب مثقوبة. هذا الامتداد الجغرافي للوجع الإنساني هو جسره نحو العالمية، فهو يكتب المحلي الإريتري-الصومالي لكن بنَفَسٍ يفهمه كل من ذاق مرارة الاقتلاع. إن كان إنجاز الطيب صالح أنه جعل الفصحى تتحدث بلسان “التربالة”، فإن هاشم محمود يطوّع الفصحى لتتنفس لهجة الجبال الإريترية وملوحة البحر الأحمر. لغته فصيحةٌ جزلة، لكنها لا تخجل من إيقاع التجرينية والصومالية، ولا من قسوة مفردات الحرب. هو لا يزيّن الجرح، بل يصفه كما هو، ببلاغة الجراح لا ببلاغة الخطباء. هاشم محمود لا يسير “على خطى” الطيب صالح بمعنى التقليد. هو يسير “بمحاذاة” دربه. الدرس الذي التقطه من “عبقري الرواية العربية” هو أن العالمية لا تُنال بالكتابة عن الآخر، بل بالغوص في الذات حتى تصل إلى قاعها الإنساني المشترك. من “شتاء أسمرا” إلى “عطر البارود” و”عصا مقديشو”، يقدّم هاشم محمود مشروعاً روائياً للقرن الإفريقي يشبه ما فعله الطيب صالح للسودان: أن تكتب قريتك الصغيرة بصدقٍ موجع، فيرى العالم فيها وجهه. هو لا يقلد الطيب صالح، بل يحاوره. يقول له: “دومتك أزهرت في الشمال، وها هي أشجار الزيتون والتين تثمر في مرتفعات أسمرا. والحكاية واحدة: الإنسان”.


