التقارير

160 شهادة بحث في الهواء.. فضيحة أراضي أبوعشر تدخل عامها العشرين

الجزيرة :- تاج السر ود الخير

في ملف تفوح منه رائحة الفوضى الإدارية والتخبط القانوني، تتكشف بمحلية الحصاحيصا واحدة من أكثر القضايا تعقيداً وإثارة للصدمة في ملف الأراضي بولاية الجزيرة، بعد أن وجد عشرات المواطنين أنفسهم يحملون شهادات بحث رسمية صادرة من الحكومة لأراضٍ لا وجود لها على أرض الواقع، في أزمة ظلت معلقة لما يقارب العشرين عاماً دون حسم أو معالجة قانونية نهائية.

القضية التي تدور تفاصيلها داخل مربع (22) أبوعشر غرب الزلط، تعود بداياتها إلى العام 2005م، عندما شرعت الحكومة – ممثلة في مكتب أراضي الحصاحيصا ووزارة التخطيط العمراني بولاية الجزيرة – في نزع مجموعة من الأراضي الزراعية والجنائن بمدينة أبوعشر وتحويل غرضها من زراعي إلى سكني ضمن خطة إسكانية رسمية استهدفت توزيع الأراضي على المواطنين.

وبحسب المعلومات التي تحصلت عليها “روافد المشهد”، فإن السلطات المختصة قامت بالفعل بتوزيع عدد كبير من القطع السكنية على المواطنين، الذين تسلموا أوراقهم الرسمية ومارس بعضهم عمليات بيع وشراء وتداول قانوني طبيعي للأراضي، باعتبار أن الإجراءات تمت عبر الجهات الحكومية المختصة.

لكن ما بدا في ظاهره مشروعاً إسكانياً عادياً، كان يخفي خلفه واحدة من أخطر الأخطاء الإدارية التي وضعت مئات الأسر في مواجهة مجهول قانوني مفتوح حتى اليوم.

فوفقاً للبيانات المتداولة داخل الملف، فإن مكتب أراضي الحصاحيصا قام بتوزيع عدد (160) قطعة أرض، تشمل القطع من الرقم (141) وحتى (298)، لمواطنين في مساحة اتضح لاحقاً أنها لم تُنزع أصلاً من مالكها الحقي، ما يعني – عملياً – أن المواطنين تسلموا شهادات بحث رسمية لأراضٍ لا تملك الحكومة حق التصرف فيها منذ البداية.

وبلغة أكثر صدمة: مائة وستون مواطناً يحملون أوراق ملكية حكومية لأراضٍ غير موجودة قانونياً بالنسبة لهم.

وتشير المعلومات إلى أن الخطأ لم يكن ناتجاً عن تزوير أو تحايل من المواطنين، بل عن خلل إداري وفني داخل الجهات المختصة بالنزع والتخطيط والتوزيع، حيث تم – بحسب المعطيات – نزع أرض زراعية أخرى بالخطأ، بينما جرى توزيع القطع السكنية على موقع مختلف لم تُستكمل إجراءات نزعه القانونية.

ومع مرور السنوات، تحولت القضية إلى قنبلة قانونية مؤجلة.
فالمواطنون الذين يحملون شهادات بحث رسمية ظلوا يترددون على مكاتب الأراضي والمساحة طلباً لاستخراج الخرط والمسح الهندسي تمهيداً للبناء، غير أن الرد الذي ظل يتكرر – وفق إفادات المتضررين – أن المنطقة محل نزاع، وأن الجهات المختصة لا تستطيع تسليم الأراضي أو التصديق بالمسح إلى حين معالجة الإشكال القانوني.

وهنا تبدأ المأساة الحقيقية.

فعلى مدى قرابة عشرين عاماً، ظل مواطنون يحتفظون بأوراق رسمية صادرة من الدولة، لكن دون أرض فعلية، ودون قدرة على البناء، ودون حلول واضحة، بينما ظلت القضية تتحرك داخل دائرة مغلقة من تبادل المسؤوليات بين الأراضي والمساحة والتخطيط العمراني.

وبحسب متابعات دقيقة، فإن جوهر الأزمة الآن يتمثل في أن الحكومة أصبحت أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما تعويض (160) مواطناً تضرروا من الخطأ الإداري، أو تعويض مالك الجنينة الذي لم تُستكمل إجراءات نزع أرضه بصورة قانونية.

وفي ظل غياب أي معالجة جذرية، تتصاعد أصوات المتضررين الذين يؤكدون أنهم لا يريدون الدخول في صراع مع الملاك أو تحويل القضية إلى نزاع اجتماعي، بل يطالبون فقط بحقوقهم المستحقة منذ عشرين عاماً.

ويقول متضررون إنهم يخشون أن يتحولوا إلى ضحايا لخطأ كارثي تتحمل مسؤوليته جهات حكومية، مشيرين إلى أن القضية ظلت رهينة التعقيدات الإدارية منذ عهد مديرة أراضي الحصاحيصا السابقة هدى الطاهر عباس، التي يحمّلها البعض جزءاً من المسؤولية عن الأزمة التي انفجرت لاحقاً.

خبراء قانونيون يرون أن الملف يحمل أبعاداً تتجاوز مجرد نزاع أراضٍ، لأنه يضع مؤسسات الدولة نفسها أمام اختبار خطير يتعلق بسلامة الإجراءات الرسمية وحجية شهادات البحث الحكومية، خاصة أن الوثائق التي يحملها المواطنون صدرت عبر القنوات القانونية المعتمدة.

ويؤكد قانونيون أن استمرار الأزمة كل هذه السنوات دون حسم قد يفتح الباب أمام موجة دعاوى قضائية ضخمة ضد الجهات المختصة، وربما مساءلات قانونية وإدارية حول كيفية تمرير هذا الخطأ، ومن يتحمل مسؤوليته، ولماذا تُرك المواطنون في مواجهة المجهول طوال هذه الفترة.

وفيما تتقاذف المؤسسات الملف بين المكاتبات والاجتماعات والتبريرات، يبقى السؤال الأخطر معلقاً فوق طاولة الجهات المختصة:

كيف يمكن لدولة أن تمنح مواطنيها شهادات بحث رسمية لأراضٍ لا تملكها أصلاً؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى