
تستيقظ الدولة السودانية اليوم على إيقاع تحول جيواقتصادي يضع السيادة الوطنية فوق اعتبارات التبعية الاستهلاكية، حيث تمثل القرارات التاريخية بوقف استيراد السلع الكمالية نقطة الانطلاق نحو ميلاد جمهورية الإنتاج في مواجهة إمبراطوريات الاستنزاف، فنحن أمام لحظة فارقة تتطلب فطاماً اقتصادياً عن ثقافة استهلاكية جففت منابع النقد الأجنبي، إذ تسببت لوبيات الاستيراد في نزيف رأسمالي تجاوزت قيمته 40 مليار دولار تم توظيفها لتشييد قلاع استثمارية في دول الجوار، بينما ظل الاقتصاد المحلي رهينة لتقلبات أسعار الصرف ومضاربات السلع المستفزة، إن تحويل مسار التمويل من استيراد الملح الذي يكلف الخزينة 300 مليون دولار سنوياً إلى تمويل المسيرات الاستراتيجية وتوطين الدواء المنقذ للحياة، يمثل الانتقال المنهجي من حالة السيولة الاقتصادية الهشة إلى الصلابة الإنتاجية الاستراتيجية التي تحمي ظهر الدولة في معاركها المصيرية.
تستند هذه الرؤية إلى منهجية الإحلال محل الواردات كإطار نظري لتحقيق الاستقلال المالي والنمو الاحتوائي، فمن خلال تحليل الأرقام والبيانات يتضح أن هيكل الاقتصاد الكلي السوداني عانى طويلاً من استنزاف العملة الصعبة في سلع استفزازية كالبسكويت والأندومي والشوكولاتة واللدائن، مما خلق فجوة تمويلية أدت لارتفاع جنوني في أسعار الأدوية، حيث قفز سعر شريط أدوية الضغط إلى 66 ألف جنيه كأثر مباشر لشح العملة والمضاربة المحمومة عليها، ومن الناحية العلمية، يعتمد نمو الناتج المحلي الإجمالي على تحفيز المضاعف الاقتصادي، فالمصنع المحلي الواحد الذي يستوعب 10,000 عامل لا يمثل مجرد وحدة إنتاجية، بل هو شريان حياة يغذي دورة اقتصادية متكاملة تشمل الفنيين والإداريين وقطاعات الترحيل والتعبئة والتغليف، وصولاً إلى الاقتصاد غير الرسمي الذي تمثله بائعات الأطعمة والشاي في محيط تلك القلاع، إن بقاء هذه الدورة المالية داخل الحدود يعني تحويل التجار من سماسرة للخارج إلى شركاء في الإنتاج، مما يؤدي إلى خفض التكلفة عبر وفورات الحجم ويضمن استقرار الأسعار ووقف تآكل قيمة الجنيه السوداني.
تطلب المنهجية التنفيذية تفكيك أوكار المضاربة وضرب اللوبيات الرقمية التي تحاول تعطيش السوق لخلق فوضى سعرية، وتقع المسئولية على عاتق أربعة أركان أساسية تعمل بتنسيق أمني واقتصادي رفيع؛ أولها وزارة التجارة والتموين عبر الحظر المطلق للرخص للسلع ذات البديل المحلي، وثانيها وزارة الصناعة من خلال تقديم حوافز ضريبية شاملة لمدة 5 سنوات للمصانع النشطة وحصر الموارد الطبيعية المهملة كالملاحات، وثالثها البنك المركزي عبر هندسة السيولة وتوفير خطوط ائتمان بفوائد صفرية لمدخلات الإنتاج حصراً، ورابعها جهاز الأمن الاقتصادي كمظلة حماية تلاحق الأموال المهربة وتضرب أوكار المضاربين الذين استنزفوا الـ 40 مليار دولار المهاجرة.
وتتبلور التوصيات الاستراتيجية الاستشرافية في ضرورة الإيقاف الفوري والنهائي لكافة رخص استيراد السلع التي تمتلك قاعدة إنتاجية محلية تتجاوز 50%، مع توجيه الـ 300 مليون دولار الموفرة من فاتورة الملح لتمويل التصنيع العسكري المتقدم وتغطية فجوة الدواء الاستراتيجي، كما يجب منح الإعفاء الضريبي الكامل لكل مصنع يستوعب عمالة وطنية كثيفة تساهم في تقليل نسب البطالة، وتفعيل قانون الحمائية الجمركية بفرض رسوم تصل إلى 300% على السلع المنافسة للمنتج الوطني التي تدخل عبر المنافذ الحدودية، ومن الضروري إلزام البنوك بتخصيص 40% من محفظتها لتمويل الصناعات التحويلية، مع إنشاء بورصة المنتج الوطني لتقليل حلقات الوساطة الطفيلية، ورقمنة سجلات المستوردين لتحويلهم لمسارات الإنتاج الصناعي، وتكتمل المنظومة بملاحقة المنصات الإعلامية المأجورة التي تشوه المنتج الوطني، وإلزام الجهات السيادية بالاعتماد الكلي على المنسوجات والسلع الغذائية المحلية، ودعم صغار المنتجين في الولايات، وتوفير الطاقة للمناطق الصناعية بأسعار تفضيلية، وفرض ضرائب تصاعدية على السلع المستوردة المخزنة، وإنشاء مختبرات جودة تمنح علامة الثقة السودانية، مع ربط البحث العلمي بابتكار بدائل محلية للمواد الخام، وإعفاء آلات خطوط الإنتاج من الرسوم لمدة 10 سنوات، وصولاً إلى إعلان عام الإنتاج الوطني كاستراتيجية عليا تتوحد حولها كافة الجهود الرسمية والشعبية.
تخلص هذه المنهجية العلمية إلى أن فطام التبعية هو المسار الوحيد لاستعادة التوازن الهيكلي للاقتصاد السوداني، حيث يعتمد نجاح هذه الرؤية على المثلث الذهبي المتمثل في إرادة سياسية صارمة، وقطاع خاص وطني منتج، ومستهلك واعي يدرك أن شراء المنتج المحلي هو رصاصة في صدر التضخم، إن المسئولية التاريخية تحتم على اللجنة العليا للطوارئ الاقتصادية الانتقال من إدارة الندرة إلى صناعة الوفرة، فالقدرة على التنفيذ تكمن في تحويل كل تحدٍ إجرائي إلى فرصة إنتاجية حقيقية تستهدف استرداد الأربعين مليار دولار المنهوبة عبر قوة الإنتاج لا الاستيراد، لنكتب اليوم نهاية عصر أباطرة الاستنزاف وبداية عصر السودان المنتج، حيث يصنع العقل والساعد السوداني نصرنا المؤزر في معركة الكرامة الاقتصادية والسيادة الوطنية الشاملة.
إن معركة “فطام التبعية” التي نخوض غمارها اليوم ليست مجرد أرقام تُصحح في الميزان التجاري، بل هي استرداد للكرامة السودانية التي حاول “أباطرة الاستنزاف” رهنها في أسواق الخارج مقابل سلع كمالية تافهة، إن الرهان الحقي يكمن في تحويل “المحنة الاقتصادية” إلى “ملحمة إنتاجية” يقودها العقل والساعد السوداني، حيث لا مكان بعد اليوم لمن يقتات على ندرة مواردنا أو يضارب بلقمة عيشنا، إن تنفيذ هذه الرؤية هو مسؤولية تاريخية تقع على عاتق الدولة بكافة أجهزتها، والقطاع الخاص بوطنيته، والمواطن بوعيه الاستهلاكي؛ فكل مصنع يدور، وكل شتلة تُغرس، وكل عملة صعبة تُوفر، هي رصاصة في صدر التضخم وخطوة نحو السيادة الكاملة، لقد انتهى زمن الاقتصاد الريعي الذي يخدم “لوبي الأربعين مليار”، وبدأ عصر “السودان المنتج” الذي يطعم نفسه بيديه ويحمي سمائه بمسيراته، ويصون كرامة أجياله بإرادته الحرة، إنها دعوة للعمل، فالتاريخ لا يكتبه من استوردوا الغذاء، بل من صنعوا الحياة بأيديهم وبنوا من الملح باروداً ومن الماكنة وطناً شامخاً لا ينكسر.
الدكتور: محمد عوض محمد متولي
*المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات*




