
في زحام الأخبار الثقيلة، وبين ركام الحرب وأنين النزوح، تظهر أحياناً ومضة إنسانية تعيد تعريف معنى الانتماء. ما فعله رجل الأعمال حسن برقو بتخصيص قطار كامل لنقل العائدين طوعاً من ولاية نهر النيل إلى الخرطوم، ليس خبراً عابراً في نشرة المساء. هو درس في الوطنية العملية، ورسالة تقول إن الوطن لا يُبنى بالشعارات وحدها، بل بالمواقف التي تُترجم إلى تذاكر سفر، ومقاعد آمنة، ورحلة تعيد الأسرة إلى بيتها.
العودة الطوعية كانت دائماً التحدي الأصعب في كل الحروب. الناس تخرج من ديارها تحت القصف في ساعات، لكنها تعود إليها على أطراف الأمل في شهور. الخوف من المجهول، وانعدام وسيلة النقل، وكلفة الرحلة، كلها حواجز نفسية ومادية تجعل قرار العودة مؤجلاً. وهنا تحديداً يأتي دور الفعل الإنساني الذكي. حسن برقو لم يوزع وعوداً، ولم يكتفِ بالتصريحات. وضع قطاراً على السكة، وقال للناس: طريق العودة مفتوح، ونحن نتكفل بالباقي.
القطار في وجدان السودانيين ليس مجرد وسيلة نقل. هو ذاكرة، هو “قطر كريمة”، هو أغاني السفر، هو دمعة الوداع وابتسامة اللقاء. أن يخصص برقو قطاراً كاملاً للعائدين، فهو يعيد للقطار وظيفته الأولى: لمّ الشمل. ويعيد للعائد كرامته: فهو لا يعود متسللاً في شاحنة، ولا متسولاً لمقعد في حافلة مكتظة. يعود مرفوع الرأس، في رحلة محفوظة، كأنه ضيف على الوطن لا لاجئ فيه.
إسهامات برقو في ملف العودة الطوعية تتجاوز تكلفة التذاكر. هي إسهام في ترميم النسيج الاجتماعي الذي مزقته الحرب. فالمدن لا تعمر بالحجارة وحدها، بل بالسكان. والخرطوم التي نزفَت أهلها، تحتاج اليوم إلى كل أسرة تقرر أن تعود. كل بيت يُفتح من جديد هو لبنة في جدار التعافي. وكل طفل يجلس على مقعد دراسته بعد النزوح، هو انتصار على مشروع التهجير والتفكيك.
ما فعله برقو أيضاً هو تفكيك لخطاب التيئيس. هناك من يراهن على بقاء الناس في المنافي، وعلى تحويل النزوح إلى حالة دائمة تخدم أجندة التقسيم. والرد العملي على هذا الخطاب ليس بخطاب مضاد، بل بقطار يتحرك. بصافرة تنطلق من عطبرة، وتعلن أن الخرطوم تنتظر أبناءها. بصورة أم تحتضن صغارها في محطة بحري، وتقول للكاميرا: “رجعنا الحمد لله”. هذه الصورة تهزم ألف شائعة تتحدث عن “استحالة العودة”.
اللافت في مبادرة برقو أنها جاءت صامتة، بلا ضجيج إعلامي، وبلا لافتات تحمل اسمه على كل عربة. وهذا هو الفرق بين العمل الإنساني والاستثمار السياسي. الأول يبحث عن الأثر، والثاني يبحث عن الكاميرا. والرجل اختار الأثر. اختار أن يكون جسراً، لا أن يقف عليه ليخطب. وهذا ما يحتاجه السودان اليوم: فاعلو خير لا تجار أزمات.
الدولة تبذل جهدها لإعادة الخدمات، وتأمين الأحياء، وتهيئة البيئة للعودة. لكن جهد الدولة وحده لا يكفي ما لم تسنده مبادرات المجتمع ورجال الأعمال والخيرين. حسن برقو قدم نموذجاً لما يجب أن تكون عليه الشراكة الوطنية في زمن التعافي. فالوطن الذي حُمي بالبندقية، يُعمر بالتكافل. والمدينة التي استُردت بالدم، تُسكن بالرحمة.
القطار الذي خصصه برقو من نهر النيل إلى الخرطوم وصل محطته الأخيرة . لكن أثره سيبقى في الذاكرة سنوات. سيتذكره طفل كبر وصار يحكي لأبنائه: “عدنا إلى بيتنا في قطر الخير”. وستتذكره أسرة كلما مرت بمحطة السكة حديد. وسيتذكره الوطن وهو يكتب أسماء الذين كانوا كباراً وقت الشدة، فاختاروا أن يكونوا كباراً في العطاء.
شكراً حسن برقو. ليس لأنك وفرت قطاراً، بل لأنك أعدت تعريف الرجولة: أن تكون قادراً على المساعدة، فتفعل. وأن ترى دمعة في عين نازح، فتمسحها بتذكرة. هذا هو السودان الذي نعرفه. وهذا هو السوداني الذي نراهن عليه.



