التقارير

محمد البشير حنبكة يكتب لن تعود عقارب الساعة إلى الوراء.. وهذا الوطن ليس ملكاً للشائعات

كثر الحديث في الأيام الأخيرة عن “عودة الجنجويد مرة أخرى”، وتسللت عبارة مشبوهة إلى بعض المجالس والوسائط تريد أن تزرع التوجس في النفوس، وتختبر صلابة الناس بعد كل ما دفعوه من دم ودمع. وهو حديث مريب، توقيته مريب، والجهات التي تروّج له أشد ريبة.

لنقلها بوضوح لا يقبل التأويل: هذا البلد لم يعد كما كان، ولن يعود. المعادلة التي حكمت المشهد في سنوات سابقة سقطت إلى غير رجعة. سقطت حين قرر الشعب أن يدفع الثمن كاملاً، وحين قدمت البيوت أبناءها شهداء ومجاهدين، وحين وقفت الأمهات في صفوف العزاء صابرات محتسبات. الدم الذي سُفك على تراب هذه الأرض لم يكن ماء حتى نفرّط فيه بجرة قلم أو بشائعة على هاتف.

الذين يكتبون اليوم عن “عودة الجنجويد” ويروجون للخوف، عليهم أن يعلموا ثلاث حقائق. الحقيقة الأولى أن الدولة استعادت عافيتها. مؤسساتها التي أُريد لها أن تتهاوى، وقفت. جيشها الذي أُريد له أن يتفكك، تماسك. وشعبها الذي أُريد له أن ينكسر، صار أكثر وعياً وأشد مراساً. من يظن أن الفراغ الذي أحدثته الحرب يمكن أن يُملأ مرة أخرى بعصابات منفلتة، فهو لا يقرأ الواقع ولا يفهم التاريخ.

الحقيقة الثانية أن الوعي الشعبي تغيّر. الناس ذاقت مرارة الفوضى، وعرفت ثمن غياب الدولة، وخبرت معنى أن تُترك الأحياء لمسلحين بلا قانون. هذا الدرس كُتب بالدم على جدران الخرطوم والجنينة ونيالا والفاشر. ولا أحد في كامل عقله يريد أن يعيد السنة الدراسية في مدرسة الخراب. فمن يراهن على ذاكرة الناس القصيرة، خسر الرهان قبل أن يبدأ.

الحقيقة الثالثة أن كل حرف يُكتب اليوم مرصود. ليس من باب التهديد، بل من باب المسؤولية. حرية التعبير لا تعني حرية التخريب. والفرق بين النقد وبث الذعر فرق شاسع. من حقك أن تختلف مع الحكومة، وأن تنتقد الأداء، وأن تطالب بالأفضل. لكن ليس من حقك أن تكتب ما يروع الآمنين، وما يخدم أجندة المليشيا المهزومة، وما يعيد إنتاج خطابها بعد أن لفظه الميدان. الكلمة مسؤولية، وصاحبها مسؤول. والقانون موجود، والدولة التي حمت الأرض قادرة على حماية السكينة.

إن “الغرف الإعلامية” التي تُدار من الخارج، وتضخ سمومها كل مساء، تريد أن تهزم الناس نفسياً بعد أن عجزت عن هزيمتهم عسكرياً. تريد أن تقول إن التضحيات ذهبت هدراً، وإن الشهداء سقطوا بلا ثمن، وإن الباب ما زال مفتوحاً للعودة إلى المربع الأول. وهذا كذب مفضوح. المربع الأول احترق، والجسر الذي يوصل إليه انهار، والنهر الذي يعبره صار أعمق من أن يخوضه أحد.

هذا الوطن ليس شركة يمكن بيع أسهمها، ولا مزرعة يمكن تأجيرها، ولا صفحة على وسائل التواصل يمكن اختراقها. هذا الوطن ملك للذين دفنوا أبناءهم بلا بكاء، وللذين حملوا السلاح دفاعاً عن عرضهم، وللذين صبروا على الجوع والعطش والنزوح ولم يقولوا “ليتنا ما قاومنا”. هؤلاء هم أصحاب القرار، وهم خط الدفاع الأخير، وهم الذين سيفشلون أي مخطط للعودة إلى الوراء.

رسالتنا واضحة: لن يعود الجنجويد، لأن الحاضنة التي أنتجتهم تفككت، والغطاء الذي حماهم احترق، والبيئة التي سمحت بتمدددهم تغيّرت. ومن يتوهم غير ذلك، فليأتِ الميدان. سيجد شعباً مختلفاً، وجيشاً مختلفاً، ووعياً مختلفاً. سيجد سوداناً تعلم الدرس، ودفع الفاتورة، وقرر ألا يكرر المأساة.

أما الذين يكتبون ويروجون ويبثون التوجس، فنقول لهم: اكتبوا ما شئتم، ولكن تذكروا أن للكلمة ثمناً، وللوطن حرمة، وللشهداء ديناً في أعناقنا جميعاً. نحن لا نفرّط. لم نفرّط يوم كانت الخرطوم محاصرة، ولن نفرّط اليوم وهي تتعافى. هذه الأرض سُقيت بالدم، والدم لا يُباع، ولا يُنسى، ولا يُخان.

فليطمئن الناس. الزمن الذي كان يُصنع فيه الخوف ببيان، ولى. والزمن الذي تعود فيه المليشيا من النافذة بعد أن طُردت من الباب، انتهى. البلد محروسة. محروسة بجيشها، وبشعبها، وبدعاء أمهات الشهداء. ومن أراد أن يجرب، فالميدان أمامه، والتاريخ شاهد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى