
حسناً فعلت وزارة الصناعة والتجارة حين أعادت البوصلة إلى موضعها، وتراجعت عن قرار حظر استيراد سلعٍ كانت في حقيقتها شريان حياة لا كمالية ترف. الفول المصري، والأرز، والأسمنت، والسيراميك، والأثاث، والفواكه، وصابون الحمام.. أسماء لا تُقرأ في قوائم “البذخ”، بل تُكتب في دفتر “المعيشة”. والتراجع عن منعها ليس ضعفاً، بل حكمة. والمراجعة ليست نقيصة، بل شجاعة لا يملكها إلا من يضع مصلحة الناس فوق عناد الورق.
الحمد لله أن اثنتي عشرة سلعة أسقطت من قائمة الحظر المسربة، قبل أن تسقط معها بيوت، وتُغلق مطاعم، وتتوقف ورش، وتتوقف أحلام البناء. فالأسمنت الذي أرادوا حظره هو حجر الزاوية في بلد يخرج من تحت الركام ويبحث عن سقف. والأرز والفول المصري ليسا “كافيار الطبقة المخملية”، بل “ملاح الغلابة” في وجبة الغداء. والسيراميك والأثاث ليسا زينة قصور، بل ستر بيوت أرادت أن تبدأ من جديد. أما صابون الحمام، فالكلام عنه من نوافل القول. فالنظافة ليست كمالية في عرف الدول، ولا في عرف البشر.
القرار الأول كان متعجلاً، وصرخة الغرفة القومية للمستوردين، وتحذير البشير الصادق جموعة، وغضب الشارع، وبيان اتحاد المخابز، كلها كانت صفارات إنذار تقول إن المنع في زمن العجز ليس سياسة اقتصادية، بل مقامرة بمزاج شعب. الاقتصاد لا يُدار بالتمنيات، ولا تُحل أزمة العملة الصعبة بخنق السوق، ولا يُحمى المنتج الوطني بذبح المستهلك. الحماية الحقيقية أن تقوي ظهر المصنع المحلي بالكهرباء والوقود والإعفاء، ثم تفتح له باب المنافسة. أما أن تمنع المستورد وتترك المواطن للندرة والتهريب، فهذا دفعٌ بالناس إلى السوق السوداء، وإهدارٌ لما تبقى من ثقة.
لذلك، فإن تراجع الوزارة خطوة تُحسب لها لا عليها. الاعتراف بالخطأ فضيلة، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل. والدولة التي تراجع قراراتها هي دولة تسمع، والدولة التي تسمع هي دولة تبقى. وما كان لمجلس الوزراء أن يقترب من “الجلخة”، ولا لوزارة التجارة أن تضع يدها على “الفول”، إلا وجاءها الرد من الشارع: “هذا خط أحمر”.
وفي هذا المقام، يجد الشكر موضعه للوزيرة محاسن علي يعقوب، التي تفهمت حساسية القرار، وأصغت لصوت الغرف التجارية، ولأنين المواطن، ولمنطق السوق. فالوزارة ليست خصماً للتاجر، بل شريكة له في معركة البقاء. والتاجر ليس عدواً للاقتصاد، بل رئته التي يتنفس بها.
يبقى ملف آخر يستحق المراجعة الجريئة: استيراد سيارات “الفور ويل درايف”. فهي تنزف عشرات الملايين من دولار السوق الموازية، في بلد أحوج ما يكون إلى كل دولار لشراء الدواء والقمح والوقود. لا يُعقل أن تُفتح الخزائن لاستيراد سيارات الترف، وتُغلق في وجه الأسمنت والأرز. فلتُقصر هذه السيارات على احتياجات الجيش والقوات النظامية، ولتُوجّه العملة الصعبة إلى ما يقيم الأود، لا إلى ما يزين الشارع.
الدرس الذي يجب أن يُكتب على جدار كل وزارة: إدارة الدولة ليست اختباراً للعناد، بل امتحاناً في الإنصات. والمواطن الذي صبر على الحرب، وعلى النزوح، وعلى الظلام، لن يصبر على قرار يجفف مائدته ويوقف بناء غرفته. التراجع اليوم حقن أزمة، والمراجعة المستمرة صمام أمان.
فلتكن هذه الواقعة سنةً حميدة. قرار يُدرس، فيُراجع، فيُصحح. فالوطن لا يُبنى بالقرارات المغلقة، بل بالعقول المفتوحة. وما لا ننتجه اليوم، يجب أن نستورده إلى أن ننتجه. أما المنع، فهو آخر الدواء.. ولا يُستخدم إلا حين تبرأ الجراح، لا وهي تنزف.




