مقالات

معاوية السقا يكتب والي الجزيرة.. حين يحكم الضمير سيرة حاكمٍ جعل من المنصب دروعاً، ومن السلطة جسراً يعبر عليه المكلومون

حين تُختبر الرجال، تُعرف معادنهم. وحين تشتد المحن، تُكشف مقاماتهم. وفي زمنٍ تراجعت فيه الدولة، وتقدم فيه الخوف، وقف والي الجزيرة على خط النار الأول. لم يكن يملك جيشاً، ولا خزائن مفتوحة، ولا تعليماتٍ مكتوبة. كان يملك ما هو أثمن: يقيناً بأن الولاية تكليفٌ لا تشريف، وأن الكرسي إن لم يكن ميداناً للخدمة، صار مقصلةً للضمير.

لم يدخل الولاية حاكماً يبحث عن الهيبة، بل دخل خادماً يحمل همّ أهله. وجد الجزيرة الخضراء وقد أثقلتها الحرب بالنزوح، وأرهقها الخراب بالجوع، وأوجعها الفقد بالدموع. فلم يرفع يديه استسلاماً، ولم يغلق بابه انتظاراً للفرج. شمّر عن ساعديه، ونزل إلى الناس. سمع من العجوز في خيمتها، ومن الطفل في مركز الإيواء، ومن المزارع الذي يبست أرضه. كان يؤمن أن الوالي الذي لا يمشي في الطين، لا يستحق أن يجلس على الكرسي.

في زمنٍ انقطعت فيه الطرق، وتوقفت فيه الموازنات، أدار الولاية بقلبه قبل قلمه. حوّل مكتبه إلى غرفة عمليات، وسيارته إلى قافلة إغاثة، وهاتفه إلى خط ساخن للمكلومين. سير قوافل الدقيق إلى المناقل، والدواء إلى الحصاحيصا، والكساء إلى قرى الكاملين. لم ينتظر الإذن من المركز، لأن جوع الناس لا ينتظر، ومرض الأطفال لا يستأذن. كان يقول: “إذا ماتت الضمائر في الخرطوم، فلتحيا في مدني”.

يدرك والي الجزيرة أن الحكم ليس سلطةً تُفرض، بل ثقةٌ تُكتسب. لهذا لم يحكم من وراء الجدران، بل من بين الصفوف. نام في مكتبه ليالٍ حين ضاقت مراكز الإيواء، وأكل مع النازحين من قدرٍ واحد ليعلمهم أن الوالي منهم. أعاد تشغيل ما استطاع من المرافق، ودعم المستشفيات بما تيسر، وحافظ على ما بقي من عجلة الإنتاج حتى لا تموت الولاية مرتين: مرةً بالحرب، ومرةً بالجوع.

لم يكن طريقه معبداً بالورود. واجه نقص الموارد، وخذلان المؤسسات، وسهام السياسة، وتُهم الخصوم. اتهموه بالمغامرة حين تحرك بلا غطاء، وبالشعبوية حين اقترب من الناس. لكنه مضى، لأن الذي يرى دمعة أرملة لا يلتفت لمن يعدّ خطواته. وكان يردد أن التاريخ لا يذكر من تحصن بالمكاتب، بل يذكر من نزل إلى الميدان. وأن المنصب زائل، ولا يبقى للمرء إلا ما قدمه للناس حين كانوا في أمسّ الحاجة إليه.

لقد أثبت والي الجزيرة أن الإدارة في زمن الحرب فن الممكن، وأن القيادة ليست قراراً يُوقع، بل موقفاً يُتخذ. جمع بين حزم الحاكم ولين الأب. ضرب بيدٍ من حديد على الفوضى، ومسح بيدٍ من حرير على رؤوس اليتامى. أعاد للولاية هيبتها لا بالمراسيم، بل بالمواقف. وجعل من “الجزيرة” اسماً يُذكر في زمن المحنة، لا يُنسى.

إن الرجال يُعرفون عند الشدائد، ووالي الجزيرة كان رجل الشدة. لم يهرب حين هرب غيره، ولم يساوم حين ساوم سواه. ثبت حين مادت الأرض، وصمد حين سقطت الرايات. علّمنا أن الوطنية ليست شعاراً يُرفع، بل فعلاً يُمارس. وأن حب الأرض لا يُقاس بالخطب، بل بالعرق الذي يُبذل، والدمع الذي يُمسح، والجوع الذي يُسد.

سيُكتب في سجل الجزيرة أن والياً مرّ بها في زمن العاصفة. فلم يكن والياً عليها، بل كان واحداً منها. قاسمها الخبز، والخوف، والأمل. وحين تضع الحرب أوزارها، وتعود الخضرة إلى المشروع، سيذكر الناس أن رجلاً وقف في وجه العاصفة، فلم تنكسر الجزيرة. لأنه كان منها، ولها، وبها.

هذا هو الوالي.. ليس من يحكم الناس، بل من يحملهم. ليس من يأمر، بل من يخدم. وفي زمنٍ عزّ فيه الرجال، كان والي الجزيرة عنواناً لحكم الضمير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى