مقالات

معاوية السقا يكتب : بنكك… وغيابٌ في ساعة الحاجة

تحوّل “بنكك” من ملاذٍ مؤقتٍ في وجه شُحّ السيولة، إلى جزءٍ أصيلٍ من معضلتها. صار اسمه مقروناً بالانتظار الطويل، وبالدائرة التي لا تكتمل، وبرسالة “فشل العملية” التي تطلّ بوجهها القاسي في اللحظة التي يخلو فيها الجيب، وتشتدّ حاجة البيت.

والمفارقة موجعة. فقد سلّم السودانيون أمرهم لهذا التطبيق طوعاً وكرهاً، إذ عجزت المصارف عن الوفاء بالكاش، وأنهكت الطوابير صبر الناس وكرامتهم. فإذا بـ”بنكك” يغدو المصرف والصراف والملاذ الوحيد، عصا يتكئ عليها من لا عصا له.

غير أنّ هذا الملاذ ما يلبث أن يتهاوى في أحرج الأوقات. قبيل عيد الأضحى بأيام، حيث تزدحم النفوس بالهموم، وتتضاعف النفقات، وتُستنفر الجيوب لشراء الأضحية وسداد الديون، ينسحب التطبيق من المشهد دون سابق إنذار. لا بيانٌ يوضّح، ولا وعدٌ يطمئن، ولا صوتٌ من إدارة البنك سوى صمتٍ ثقيل.

فماذا كانت الحصيلة؟
موظفٌ يقف عاجزاً عن إرسال نفقة لأهله في أطراف البلاد.
تاجرٌ صغيرٌ تتكدّس بضاعته لأنّ حوالةً عالقةً لم تجد طريقها.
أمٌّ تقف أمام باب الجزار، وهاتفها لا يحمل سوى عبارة “خطأ في الشبكة”.

ما جرى ليس خللاً تقنياً عابراً، بل هو إهمالٌ مؤسسيٌ يتجرّع مرارته المواطن وحده. مؤسسةٌ بحجم بنك الخرطوم، يلتفّ حولها ملايين المستخدمين، كان حريّاً بها أن تبني بنيةً تحتيةً لا تنهار عند أول ضغط، وأن تعدّ عدّة الطوارئ قبل أن تحلّ ساعات الذروة.

والأدهى من ذلك أنّ الإدارة تجيد رسم الابتسامة على واجهات الإعلان، وتتقن لغة التسويق، لكنها تختفي حين يُطلب منها الجواب. لا اعتذار، لا توضيح، لا تعويض. كأنّ تعطيل شؤون الناس صار بنداً مكتوباً في تقويمها السنوي.
لم يعد “بنكك” تطبيقاً مصرفياً، بل صار مزاجاً متقلّباً. يجود بالخدمة متى شاء، ويمنعها متى شاء. وفي وطنٍ يقف على حافة العوز، لا يحتمل الناس ترف المزاج المؤسسي.
فإن عجزت إدارة البنك عن ضمان استمرار الخدمة في مواسم الحاجة، فليكن ذلك صريحاً، وليتركوا الناس لسبيلٍ آخر. فالعيد لا يستأذن، والحاجة لا تنتظر، وكرامة الإنسان أرفع من أن تُمتحن كل عامٍ على شاشةٍ معلّقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى