
في مشهد يفتقر لأبسط معايير العدالة والمنطق وفي الوقت الذي ترفع فيه الدولة شعارات العودة الطوعية وتطبيع الحياة المدنية تمضي حكومة ولاية الخرطوم في اتجاه معاكس تمامًا بسياسات جباية قاسية تُثقل كاهل المواطن وتخنق أي محاولة للتعافي. ما يحدث اليوم ليس مجرد رسوم أو ضرائب بل حصار اقتصادي ممنهج على مواطن أنهكته الحرب وفقد كل مقومات الحياة.
لقد بلغت الجبايات حدًّا غير مسبوق، حيث تُفرض رسوم تفوق رأس المال نفسه بل وتُطالب بها السلطات قبل أن يبدأ المشروع أصلًا. أي منطق هذا الذي يُعاقِب المبادرة قبل أن تولد؟ وأي دولة هذه التي تجبي من الفشل المتوقع بدل أن تستثمر في النجاح الممكن؟
في كل دول العالم تُمنح المشاريع مهلة للنهوض تُدعم في بداياتها وتُشجّع على الإنتاج. أما في الخرطوم فالمعادلة مختلة بشكل صادم ادفع أولًا… أو انسحب. وكأن الرسالة الرسمية للمواطن واضحة لا مكان لك في هذا الاقتصاد إلا إذا كنت قادرًا على تحمّل ما لا يُحتمل.
الأخطر من ذلك أن هذه السياسات لا تُقصي فقط صغار المنتجين بل تعيد تشكيل السوق على أسس فاسدة البقاء فيها لم يعد للأجدر أو للأكثر اجتهادًا بل للأقوى نفوذًا ولمن يملك القدرة على شراء الاستثناءات حين تُغلق الأبواب الرسمية تُفتح الأبواب الخلفية الرشاوى المحسوبية وتغوّل الفساد كآلية بقاء.
بهذا الشكل، لا تُجبى الأموال فقط بل تُضرب قيم النزاهة في مقتل يُعاقَب الملتزم ويُدفع دفعًا إلى الهامش بينما يُكافأ من يجيد الالتفاف على القانون. إنها وصفة مكتملة لتحويل الاقتصاد إلى غابة البقاء فيها للأقوى… أو للأكثر فسادًا.
كيف يُطلب من المواطن أن يبدأ من الصفر بعد حرب وتشريد ثم يُواجَه بجدار من الجبايات قبل أن يخطو خطوته الأولى؟ كيف نتحدث عن الاستقرار وجذب الناس للعودة بينما السياسات على الأرض تدفعهم إلى الهروب أو العمل خارج أي إطار قانوني؟
ما يحدث اليوم ليس خطأ عابرًا في السياسات بل انحراف خطير في بوصلة الحكم الاقتصادي. الاستمرار في هذا النهج يعني قتل أي أمل في التعافي وتوسيع دائرة الفقر وخلق اقتصاد مشوّه تحكمه العلاقات لا القوانين.
وعليه فإن المطلوب لم يعد مجرد مراجعة بل تصحيح جذري وفوري بوقف هذا النزيف الجبائي وإقرار سياسات عادلة تُراعي الواقع الاستثنائي ومنح المشاريع فرصة حقيقية للحياة قبل مطالبتها بأي التزامات.
فالدولة التي تريد الاستقرار لا تبدأ بجباية ما لم يُولد بعد… ولا تُراهن على إرهاق شعبها كوسيلة للحكم.




